لا زالت أروقة الأمم المتحدة تشهد سباقاً محموماً لمنع بعض دول العالم النامي، ممثلة في إيران هذه المرة، من امتلاك أسلحة نووية، ولا زال العالم يحبس أنفاسه خوفاً من أن يصبح السلاح النووي في يد معظم دوله. لقد أصبحت هذه المسألة هاجساً لمعظم دول العالم الغربي، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا التي تخشى كما تقول، من أن يصبح تواجد الأسلحة النووية في يد دول العالم الأخرى التي تقع في خارج منظومة تحالفاتها ومصالحها، خطراً جسيماً على أمنها القومي. وبرغم ما يدور من نقاشات حامية الوطيس حول هذه المسألة، وما يقال بالتحديد، إن كوريا الشمالية وإيران، ستشكلان خطراً جسيماً على السلام العالمي لو امتلكتا أسلحة نووية، فإن جوهر المسألة في تقديرنا لا يتعلق بهذه الدولة أو تلك فقط، إنما بكافة الدول التي تمتلك فعلاً أو تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، واهمة بأنه يشكل رادعاً حقيقياً لكل من يفكر في الاعتداء على أمنها القومي. ويعود مصدر ذلك الوهم إلى أن مجرد التفكير في استخدام هذه الأسلحة التي لن تبقي ولن تذر يعني فناء العالم برمته، بحيث أن الكرة الأرضية يمكن أن تتفتت وتصبح هباءً منثوراً ضمن عملية الفعل وردود الفعل التي ستقوم بها الدول المالكة للأسلحة النووية ضد بعضها بعضا. إن الحديث عن التصدي لظاهرة امتلاك الجميع للأسلحة النووية، يتركز حتى الآن في كيفية منع عملية الانتشار، فترى الأطراف المتشددة في الولايات المتحدة على سبيل المثال، أن منع الانتشار يمكن أن يتم عن طريق تغيير النظم السياسية التي تسعى إلى امتلاك الأسلحة النووية، أو مهاجمتها عسكرياً وتدمير منشآتها النووية بضربات جوية هائلة، أو غزوها فعلياً إذا لم تنجح الطرق الأخرى واحتلالها. وفي المقابل يرى غير المتشددين أن الطريقة المثلى لمنع انتشار الأسلحة النووية هي السيطرة على ذلك الانتشار عن طريق الهيئات والمنظمات الدولية العاملة في هذا المجال، والتفاوض الدؤوب والمكثف مع الدول الساعية إلى امتلاك الأسلحة النووية، ومحاولة إقناعها بضرورة العدول التام عن ذلك. ومع أن أياً من الوسيلتين لا يمكنهما تحقيق نتائج شافية وعملية وشاملة، يمكن من خلالها حفظ أمن العالم وسلامته، إلا أن سؤالاً سرمدياً يبقى قائماً. إن هذا السؤال يتعلق بالشكل الذي يمكن أن يؤول إليه عالمنا لو أن معظم دوله امتلكت أسلحة نووية. وفي هذا الإطار ينقسم العالم المعاصر على نفسه إلى فريقين، أحدهما متشائم والآخر متفائل بمستقبل كوكب الأرض والبشرية، فيقول المتشائمون إن المخاطر التي تكمن في أية مواجهة نووية ستزيد بشكل خطير جداً وكبير مع تزايد عدد دول العالم النامي التي تمتلك أسلحة نووية، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى وقوع كارثة حقيقية لكوكب الأرض. ويقول المتفائلون عكس ذلك، مفترضين أن امتلاك معظم دول العالم أسلحة نووية، سيجعل كافة الأطراف حريصة كل الحرص على عدم استخدامها ضد الآخرين لأنها ستكون هي ذاتها عرضة لرد فعل الدول الأخرى، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى وقف الحروب النووية بين الدول بكافة أنواعها. وبعيداً عن هذه الافتراضات الإيجابية والسلبية، يستطيع المرء القول، إن صورة العالم الذي ستعيش فيه البشرية في مرحلة ما بعد انتشار الأسلحة النووية انتشاراً واسعاً في جميع مناطق العالم، ولدى معظم دوله القادرة، ستكون قاتمة ومخيفة دون شك، لأن الذي سيسود هو توازن رعب لم يشهد له العالم مثيلاً من قبل، أقطابه كثيرون، والسيطرة على تصرف أي منهم من أصعب ما يمكن أن يتخيله المرء في مثل هذه الحالات. وفي عالم متعدد الأقطاب نووياً ربما تستمر العلاقات الدولية والسياسات المتعلقة بها على وتيرتها، ولكن ذلك سيكون تحت وطأة بيئة دولية يسيطر عليها الخوف الشديد، وعدم التيقن والشك الذي سيتولد نتيجة لظهور المخاطر الجديدة والاحتمالات المستجدة لعدم فهم نوايا الآخرين، والشك في أي تصرف يمكن أن تتم ممارسته. وسيترتب على ذلك أن مبادئ الأمن القومي السائدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والعديد من السياسات الدفاعية والخطط العسكرية ستتغير جملة وتفصيلاً. إن هذه الصورة القاتمة لمستقبل كوكب الأرض والبشرية ما بعد انتشار الأسلحة النووية، ينتج عنها سؤالاً مهماً جداً هو: ما العمل؟ ورغم سهولة هذا السؤال وقلة عدد الكلمات التي يتكون منها، إلا أن الإجابة عليه ربما تكون من أصعب ما يمكن، وقد لا يكون متاحاً لنا ضمن المساحة المخصصة لنا هنا، إيراد إجابة شافية عليها. إن كل ما يمكن قوله هو إن مسألة انتشار الأسلحة النووية لدى كافة دول العالم يجب أن تعالج بروية وبصورة أشمل من أن يتم التركيز على بعض من الدول، في حين أن البعض الآخر يمتلك فعلاً أسلحة نووية ويتم حتى الآن التغاضي عنها جملة وتفصيلاً، رغم أن هذه الدول ذات طبيعة عدوانية كما أثبتت أحداث الاعتداء على لبنان في الآونة الأخيرة.