تتناول مادة هذا الكتاب ما يمكن وصفه بـ"اختطاف" الحزب الجمهوري من قبل مجموعة من الشموليين اليمينيين المتطرفين المتسربلين بثياب آيديولوجية "المحافظين الجدد". مؤلف الكتاب هو "جون دين" المستشار القانوني السابق للرئيس رتشارد نيكسون، وأحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بفضيحة "ووترجيت" الشهيرة، بل وبالحزب الجمهوري نفسه. والخطة التي قام عليها هذا الكتاب هي دراسة "الشخصية الشمولية" ممثلة في كبار رموز وشخصيات إدارة بوش الحالية من أمثال جنجريتش وجون ديلي وبيل فيرست وديك تشيني، وصولاً إلى الرئيس بوش نفسه بالنتيجة. وبعد أن خطط المؤلف لوضع كتابه هذا بالاشتراك مع زميله باري جولدووتر، فقد عكف وحده -بعد وفاة الأخير قبل إنجاز الكتاب- على دراسة عدد من الكتب والمراجع التي تناولت الشخصية الشمولية المستبدة. وقد شملت هذه أعمالاً رئيسية مثل مؤلف "تي دبليو أدورنو" حول "الشخصية الشمولية"، وكذلك كتاب "ستانلي ملجرام" الذي حمل عنوان "طاعة السلطة" وغيرهما. ولعل من أهم هذه المراجع كتاب "بوب ألتماير" المعنون "الشموليون اليمينيون" الذي استقى منه المؤلف أهم النظريات السياسية والسيكولوجية والاجتماعية التي بنى عليها دراسته لشخصيات البيت الأبيض الحاكمة اليوم. أما الاستنتاجات الرئيسية للكتاب، فتتخلص في أنه ما لم ينتبه الشعب الأميركي إلى خطر هذا "الاختطاف" الذي تعرض له الحزب الجمهوري، ويعمل على مواجهته ومناهضته في غضون عقد أو عقدين من الآن، فإنه ليس مستبعداً أن يستيقظ الأميركيون يوماً ما تحت تأثير صدمة تحول بلادهم إلى واحدة من أعتى ديكتاتوريات العالم! وبهذا المعنى فإن الكتاب هو محاولة لفهم الطريقة التي نمت بها الحركة المحافظة وصعد دورها سلم الحياة السياسية الأميركية حتى وصلت إلى المواقع الرئيسية الحالية الممسكة بمفاصل الإدارة وكافة مؤسسات وأجهزة الحكم هناك. كما أنه محاولة لفهم الفكر السياسي لقادة وأتباع هذه السياسات الأميركية الغريبة على قيم المجتمع وأعرافه وتقاليده السياسية. ولدى قراءتنا للكتاب، فإن الاستنتاج الرئيسي الذي نخرج به لا علاقة له بأي انطباعات عن انسلاخ "دين" من آيديولوجيته الجمهورية أو خروجه عن آيديولوجيتهم، بقدر ما هو حرص على تلك القيم والمبادئ الجمهورية التي ينص عليها المؤلف جراء ما فعله بها المحافظون المتشددون. والفكرة أيضاً أن مصطلح "المحافظين" لم يصل إلى ذلك الحد من التطرف الذي دفع بالمؤلف إلى أقصى اليسار الأميركي المناوئ للمحافظين وللحزب الجمهوري على حد سواء. غير أن هذا المفهوم قد تمحور أساساً في نظر الكتاب حول الهيمنة التي يمارسها "المحافظون الجدد" اليوم في واشنطن. ومن هنا فهو ينعى جملة المبادئ الجمهورية الأساسية التي عصف بها التيار السياسي اليميني. وبتحول "المحافظين الجدد" من صفتهم تلك إلى "محافظين ثيوقراطيين" أي إلى حملة للآيديولوجية اليمينية المتطرفة وإلى دعاة للدولة الدينية المسيحية، فإن العدو الرئيسي لهم في كلتا الحالتين إنما هي القيم والمبادئ الليبرالية. وهذا هو ما يثير مخاوف الكاتب من احتمال تحول أميركا نفسها إلى نظام سياسي شمولي مستبد، ما لم تتم مناهضة هذا التيار الخطير. وسواء كانوا محافظين جدداً أم محافظين لاهوتيين، فإن ما يوجه إليه المؤلف سياط نقده ليس مجرد الافتقار للنزاهة الفكرية ولا التناقضات الكثيرة التي تتسم بها أقوالهم وأفعالهم كذلك، وإنما يولي اهتماماً أكبر لالتقاط الخيط العام الرابط بينهما متمثلاً في صفة الشمولية والاستبداد، في نهاية الأمر. ومن البديهي أن يتساءل المؤلف عن الأسباب التي تدفع الجمهور الأميركي لاحتضان وقبول الفكر الشمولي الذي يروج له تيار "المحافظين الجدد"؟ وللإجابة عن هذا السؤال كان لابد له من الاستناد على أحدث نظريات علمي النفس والاجتماع والعلوم السياسية، حتى يتسنى له تطبيق تلك النظريات على تيار "المحافظين الجدد" القابض بزمام الأمور ودفة الحكم في واشنطن. والسؤال الرئيسي الذي يثيره الكاتب على صعيدي النظرية والتطبيق هو: كيف أمكن لمجموعة صغيرة من الشخصيات الطاغية المهيمنة، جر حزب بكامله باتجاه التشدد والتطرف اليميني، بل كيف أمكن لها تدجين وتشويه الفلسفة المحافظة التقليدية، دون أن تواجه بأي احتجاجات أو مناهضة تذكر من داخل مواقع تلك الفلسفة نفسها؟ وعلى الرغم من أن "جون دين" ليس هو المفكر المحافظ الوحيد الذي يبدي معارضته وتذمره من هيمنة التيار اللاهوتي المحافظ -الذي تمثله غالبية شخصيات إدارة بوش الحالية- من مواقع الفلسفة المحافظة نفسها، غير أن المؤكد أنه من أقوى تلك الأصوات وأشدها احتجاجاً ونقمة. وبالإشارة إلى عنوان الكتاب "محافظون بلا ضمير"، فإن الوجه الآخر من هذه الدراسة، إنما هو دعوة واستنهاض للمحافظين المحتكمين إلى ضمائرهم والثابتين على قيمهم ومبادئهم الراسخة في ممارسة العمل السياسي، وفق قيم الليبرالية والديمقراطية التي شكلت جوهر التراث الأميركي كله. عبدالجبار عبدالله الكتاب: محافظون بلا ضمير المؤلف: جون دين الناشر: مجموعة "بنجوين" للطباعة والنشر تاريخ النشر: يوليو 2006