كتبت منذ أسبوعين مقالة ختمتها بفكرة تقول: إن إسرائيل ستكون أمام نتيجة واحدة بعد الحرب على لبنان، وهي أن مصلحتها تكمن الآن في الوصول إلى سلام دائم يضمن أمنها واستقرارها! وقلت: قد تكون الفكرة غريبة، لكنها واقعية إذا ما كان ثمة كبار وعقلاء وحكماء في تلك الدولة، هم للأسف غير موجودين، وينبغي أن يكون ثمة درس للفكرة في أي شكل من الأشكال. الفكرة انطلقت من تحليل يستند إلى هزيمة إسرائيل في الحرب. رغم الفرص التي أعطيت لها من الإدارة الأميركية التي غطَّت الحرب، ووفرت كل الحماية والرعاية للإرهاب الإسرائيلي. والهزيمة لم تأتِ على يد جيش نظامي عربي. فالمقاومة استطاعت أن تصمد لشهر ونيف، وتستخدم أسلحة متطورة، ألحقت خسائر كبيرة في آليات الجيش الأكثر قدرة وتطوراً في هذه المنطقة. واستطاعت أيضاً أن تستوعب حمم النار الهائلة التي لفت البلاد كلها، ومحاولات الترهيب التي مارستها قوات العدو، وخلقت بالتالي شعورين على الأقل. الشعور الأول عند الإسرائيليين بأن أمنهم غير مضمون في كل المناطق بالرغم من كل الترسانة العسكرية التي يملكها جيشهم والإنفاق الهائل الذي يخصص له، وبالتالي عاشوا ويعيشون حالة ضياع وقلق ويطرحون سلسلة من الأسئلة على قياداتهم المتهمة بالانشغال بفضائحها المختلفة من جهة، وبالتقصير وتحمُّل مسؤولية الهزيمة من جهة أخرى، بسبب سوء الإدارة والتدبير والتقدير للمعركة وقدرات العدو –أي المقاومة– وبفشل أجهزة الاستخبارات وسقوط هيبتها وقدراتها وسمعتها وصدقيتها في هذه الحرب. والشعور الثاني مُخيف وينطلق من تساؤل: إذا كان "حزب الله" وحده قد هزم هذا الجيش، فماذا لو اقتبس من جديد الفلسطينيون أسلوبه في المعركة مع إسرائيل على "أرضها"؟ ماذا لو كنا أمام "حزب الله" آخر في داخل فلسطين، وتحت أنفاقها؟ وماذا لو امتلك الفلسطيني سلاحاً من النوع "البسيط "، ولكن الفاعل كالذي امتلكه "حزب الله"، والفلسطينيون يملكون إرادة قتالية كبيرة وروحاً مقدامة، وهم بدأوا المواجهات قبل "الحزب" اللبناني؟ وماذا لو ولِدت من رحم هذه الهزيمة الإسرائيلية الحقيقية "أحزاب الله" أخرى في دول الجوار في الأردن ومصر وسوريا لاحقاً، حيث إن الوضع الحالي لا يزال مُقفلاً على خيار المقاومة لكنَّ المطالبة باعتماده تزداد؟ وينبغي التفكير في كل ذلك مستقبلياً! ومن نتائج الحرب والهزيمة الإسرائيلية أيضاً، القناعة لدى الكثير من المحللين والدارسين والباحثين، بأن الجيل الإسرائيلي الجديد ليس جيلاً مقاتلاً كالأجيال السابقة. إنه جيل يعيش على الأمجاد، على القناعة بأن قوتهم لا تقهر. وبأن النظام العالمي الجديد، وتحديداً أميركا، يحميه، وبأن الدول العربية ضعيفة، والاختراقات الإسرائيلية لها كبيرة وأجيالها أيضاً لا تريد القتال ولا تتقنه، ومنْ يقاتل فهو يصنف في خانة "الإرهاب"، وبالتالي تُشن ضده كل أشكال الحملات ويُحاصر. واستند هذا الجيل في هذه النظرية أيضاً إلى ما كتب في بداية عام 2000 من دراسات استراتيجية في أميركا في سياق النظرة الإسرائيلية إلى الألفية الثالثة والتي قيل فيها: "إن التطور التقني جعل إمكانية اختراق الجيل العربي الجديد الخام أكبر بكثير. فهذا جيل لم يعشْ مرحلة الصعود القومي، ولم يعشْ حروباً مع إسرائيل. وهو يريد أن يرتاح"! أثبتت الحرب الأخيرة أن هذه الحالة موجودة في إسرائيل، أما الجيل العربي الذي حقق أول انتصار عام 2000 وأخرج إسرائيل من لبنان، فقد عاد وأخرجها مرة جديدة وهزمها. وأن الفلسطيني استفاد من ذلك وصمد في وجهها رغم كل الصعاب، وأن العرب أصبحوا أكثر قناعة بأن الكيان الإسرائيلي وأجياله هم المعرضون للاختراق وبالتالي الهزيمة والاختناق! إذاً، عند الاستناد إلى العقل والمنطق، فإن تجنب إسرائيل لحروب جديدة وهزيمة جديدة لا يتحقق إلا بالسلام القائم على الاعتراف بحقوق الآخرين. هل أدرك ويدرك الإسرائيليون ذلك؟ وهل يمكن اعتبار حديث بعض الوزراء الإسرائيليين عن تحريك الاتصالات مع سوريا "بازاراً" جديداً لكسب وقت أو مناورة، أو استراتيجية أو فكرة تستحق العمل على بلورتها وتحقيقها، ولذلك تم تكليف فرق عمل في إسرائيل لتقديم اقتراحات بهذا الشأن؟ أما في سوريا، فثمة اعتراف من المسؤولين السوريين بازدياد المطالبة في الشارع السوري باعتماد المقاومة منهجاً لتحرير الجولان، خصوصاً بعد انتصار المقاومة في لبنان، وأخطاء المسؤولين السوريين في التعاطي معه، وسيل التصريحات والتساؤلات والتعليقات والتحقيقات التي صدرت في العالم العربي والإسلامي ودول العالم عموماً ومن الشعوب التي تؤيد المقاومة، والتي كانت تخاطب القيادة السورية متسائلة: لماذا الصمت على جبهة الجولان؟ لماذا لا تكون مقاومة؟ لماذا الاكتفاء بدعم المقاومة في لبنان والامتناع عن اعتماد هذا الخيار في سوريا؟ لماذا كل شيء على حساب لبنان؟ إذاً، هذا الموضوع أصبح ضاغطاً. فهل ستلجأ القيادة السورية إلى اعتماده ؟ الواضح أن التركيبة القائمة وطبيعة السياسة والحسابات المعتمدة هناك لا تسمح بذلك وهذا سيولد مشكلة. والحرب إذا ما وقعت مع سوريا ستكون مشكلة باعتراف قادتها الذين يقولون إن الجيش النظامي لا يستطيع أن يواجه القدرات الإسرائيلية. إذاً، لا الجيش قادر، ولا خيار المقاومة متوفر فما العمل إذا وقعت الحرب؟ لذلك، يبدو خيار السلام اليوم ضاغطاً لتجنب الحرب والهزيمة العسكرية في حال وقوعها أو الهزيمة السياسية لعدم تبني خيار المقاومة. وهل يمكن اعتبار الإشارات التي صدرت من سوريا حول المفاوضات والسلام استعداداً لذلك أم مناورة أيضاً ومحاولة كسب وقت علماً بأن وضع سوريا اليوم أصعب بكثير مما كان عليه أيام الرئيس الراحل حافظ الأسد؟ وماذا عن تصريحات وزير خارجية تركيا من دمشق وكان عائداً لتوِّه مـن إسرائيل، عندما تحدث عن فرصة لتحريك عملية السلام في المنطقة؟ وكذلك تصريحات غيره من المسؤولين الذين زاروا دمشق؟ وهل تبدو الإدارة الأميركية اليوم عاقلة وعاقدة العزم على تحريك عملية السلام لأنها مضطرة لتوفير الحماية لإسرائيل؟ وهل بدت مقتنعة بضرورة الوصول إلى اتفاق على أساس القرارات الدولية ويضمن حقوق شعوب المنطقة كلها ويحل المشكلة الفلسطينية في الأساس؟ أم أن تعيين السفير السابق "ادوارد دجيرجيان" منسقاً أو محاوراً هو أيضاً من باب كسْب الوقت؟ ليس ثمة حل إلا الحل السياسي. وهذا يحتاج إلى وعي وتنازلات متبادلة بمعنى تسهيلات على الأقل، ولكي يكون حلاً شاملاً وعادلاً يجب أن يضمن عودة الحقوق العربية إلى أصحابها في فلسطين وسوريا ولبنان ويضع حداً للاستباحة الإسرائيلية, وهذا يحتاج إلى كبار واستراتيجية وأصحاب رؤية مستقبلية غير موجودين لا في أميركا ولا في إسرائيل ولا في سوريا، ولا في إيران المنغمسة مباشرة في كل ما يجري، ولا في عدد كبير من الدول سواء في إدارة الشؤون الداخلية فيها أو في التعاطي مع القضايا الكبرى. لكن غياب الكبار يجب ألا يسقط أهمية الخيار وعملية السعي إلى اتخاذ قرار. ثمة فرصة يفرضها الواقع والفضل فيها للمقاومة في لبنان على ما حققته من إنجاز وصمود وانتصار في وجه الاحتلال، وبالتالي فإن مقاربة خيار التسوية نابعة من انتصار وليس من شعور بهزيمة. ويمكن العودة في ذلك إلى المبادرة العربية التي أطلقها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وكانت موضع إجماع عربي وتأييد دولي.