إذا جاء "نصر الله" بالحرب، فهذا يعني أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، وأن أدوات اللعبة تغيرت وأن اللاعبين قد يتغيرون أيضاً... إذا جاء "نصر الله" بالحرب، فإن هذه الحرب تكون إما للعرب وإما ضدهم... إذا جاء "نصر الله" بالحرب، فإن إيران تستعد لأن يكون لها دور في الحرب، وأن تكون شريكاً في النصر... إذا جاء "نصر الله" بالحرب، فمن المهم أن تكون المواقف العربية السياسية واضحة.. إذا جاء "نصر الله" بالحرب، يجب أيضاً أن تكون دولارات العرب جاهزة، كي تعوِّض لبنان وتعيد تعمير ما دُمر... إذا جاء "نصر الله" بالحرب، فقد يأتي غيره من بعده بالسلام... إذا جاء "نصر الله" بالحرب، يجب أن نكون مقتنعين أن أحداً في هذا الوقت لن يأتي بالحرب غيره.. الآن وقد انتهت الحرب بكل آلامها وآثارها المادية والمعنوية وبكل إنجازاتها الميدانية، من المهم أن يستوعب الجميع أن مرحلة ما بعد حرب الـ33 يوماً في لبنان تختلف عن مرحلة ما قبل هذه الحرب... هناك تغيرات على جميع المستويات، على الصعيد اللبناني الداخلي، وعلى الصعيد العربي، وربما على مستوى السلام مع إسرائيل أيضاً... ولن نخوض في التغيير اللبناني الداخلي، فاللبنانيون أقدر على تحليل وضعهم، ولكن الملاحظة المهمة التي نشير إليها بسرعة في هذا الإطار هي أن موازين القوى في لبنان قد تغيرت، وأن "حزب الله" قبل 12 يوليو لن يعود هو نفسه بعد 14 أغسطس –بعد انتهاء حرب "المغامرة"- فقد صار الحزب أكثر قوة على الأرض، وصار من المتوقع أن تتغير لغته، وهناك مفاجآت حقيقية نتوقعها من "حزب الله"، وخصوصاً بعد أن صار يتكلم عن "لبنان الجديد"، وعن حكومة وحدة وطنية، ويريد أن يكون طرفاً أساسياً في النقاشات السياسية المختلفة... وبعد أن صار يعترف بأنه جزء من محور إيران سوريا، ولا يرى مشكلة في ذلك.. ولا يتحرّج في أن يعلن أنه حصل أموالاً من إيران لتعويض الأسر اللبنانية التي تضررت من الحرب وتهدمت بيوتها. أما على الصعيد العربي فمن الواضح أن تأثيرات الحرب على الدول العربية كلاً على حدة كانت واضحة، من خلال التفاعل الداخلي في كل دولة مع ما يحدث في لبنان، وكان الموقف الشعبي –بعيدا عن الحسابات السياسية والمذهبية- كان واضحاً في تأييده الكبير لـ"حزب الله" ضد إسرائيل... كما أن تأثيرات الحرب على جامعة الدول العربية لا يمكن تجاهلها أيضاً، فقد كان واضحاً الانشقاق العربي الرسمي على الصعيد السياسي حول "مغامرة" "حزب الله"، أولاً ثم على "انتصاره"، كما أن تقييم الدول العربية لنتائج هذه الحرب كان متبايناً...بل هناك من العرب من يعترفون بما يسمى "انتصاراً" ولكنهم لا يعلنون عن ذلك. يفترض أن يستفيد العرب من أخطائهم القاتلة في العراق.. يجب أن يعرفوا أن خسائر العرب في العراق حتى هذه اللحظة فادحة، بسبب موقفهم الضبابي، بل اللاموقف الذي اتخذوه في كل ما حدث في العراق، ابتداءً بالحرب عليه وانتهاء بالمحاولات الجارية لتقسيمه... فصار العرب اليوم يلطمون لأن إيران سحبت من تحت أقدامهم البساط في العراق، وصارت لها الكلمة العليا هناك، فهل ننتظر حتى تكون كلمتها في لبنان ثم فلسطين؟! الدول العربية بعد أسبوعين من الحرب شعرت بأن هذه الحرب ليست عادية وليست عابرة ويمكن أن تكون نتائجها خطيرة جداً على المنطقة، وبالتالي تحركت وحاولت أن تفعل أي شيء لإيقافها مهما كان الثمن، بعد أن أدركت أنها كادت تدفع ثمناً باهظاً لتسببها في وجود فراغ سياسي في المنطقة... هذه المرة كانت آثار هذا الغياب محدودة، فقد كانت هناك ظروف خارجية ساعدت على ذلك.. بالإضافة إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد في بيروت قبيل إصدار قرار مجلس الأمن الدولي فيما يتعلق بالحرب في لبنان، والذي حفظ ماء وجه العرب في اللحظات الأخيرة.. ولولا ذلك لكان الوضع العربي اليوم غير ما نعيشه... ويحسب للدبلوماسية العربية نجاحها –وإن كان متأخراً- في تعديل القرار الدولي الذي جاء "مقبولاً" في صيغته الأخيرة للعرب واللبنانيين. كل ما هو مطالبة به الدول العربية هو أن يكون لها موقف حقيقي وواضح في قضايا المنطقة وأن تتوقف عن لعن الظلام... فإذا كنا لا نريد تدخلاً إيرانياً أو غير إيراني في المنطقة، فيجب على الدول العربية أن تكون موجودة، وإذا كنا لا نريد أن يتحول لبنان إلى جمهورية إسلامية جديدة، فيجب أن يكون هناك دعم لهذا البلد... وإذا كنا نريد استعادة العراق، فيجب أن يكون لنا دور في كل ما يحدث في الساحة العراقية، التي صارت ملعباً لكل لاعب نزيه أو غير نزيه... الوضع في المنطقة دقيق ولا يحتمل أنصاف الحلول، ورأى العالم ماذا فعل هذا "الانتصار" بسوريا من خلال خطاب الرئيس بشار الأسد الذي ألّب العالم بأسره على سوريا –طبعا ما عدا إيران و"حزب الله"- وهذا متوقع، فما حدث في لبنان -على الرغم من الخسائر المادية الضخمة- يعتبر إنجازاً من وجهة نظر "البعض"، بل يعتبر "إنجازاً كبيراً" يجب استثماره واستغلاله بكل الطرق... وعلينا أن نفكر فما كان يمكن أن تفعله هزيمة "حزب الله" أيضاً بسوريا وغيرها. العرب محظوظون بنهاية هذه الحرب، فلو أنها انتهت بهزيمة لـ"حزب الله" لكانت المنطقة اليوم غير المنطقة، وكانت خسائر العرب مضاعفة،ولا يمكن تداركها.. وهذه فرصة أخرى للعرب كي يمعنوا النظر في أوضاعهم ويعيدوا ترتيب أوراقهم، وخصوصاً أن من الواضح أن المنطقة مقبلة على محاولات غربية أخرى للتدخل في شؤونها، بل تغييرها إلى شرق أوسط مختلف. أخيراً بالنسبة للمساعدات المالية التي وعدت الدول العربية بأنها ستدعم بها لبنان من أجل إعادة الإعمار، الأمر الذي أكد عليه وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم منذ أيام، فيفترض ألا تتأخر في الوصول إليه.. وألا تنقل على ظهر سلحفاة، فمعاناة اللبنانيين وخسارتهم الكبيرة لا تحتمل بيروقراطية مؤسساتنا العربية، ولا تحتمل وعود مسؤولينا طويلة الأجل... فإيران –الدولة المنافسة على الساحة- أرسلت مساعداتها فوراً وتم تسليمها عن طريق "حزب الله" للبنانيين نقداً بالدولار الأميركي، وأمام عدسات الفضائيات... ويجب أن نعترف أن تلك الأموال الإيرانية نجحت في تحقيق تأثيرها النفسي والمعنوي في قلوب اللبنانيين، أما تأثيراتها المادية فستظهر خلال أسابيع من خلال إعادة بناء الناس لبيتهم من جديد.