قرّر وارن بافيت مؤخراً منح "مؤسسة غيتس" الخيرية هبة قدرها 31 مليار دولار، وهو ما يمثل أكبر تبرع خيري في تاريخ الولايات المتحدة. إنه لأمر رائع حقاً أن ترى الأشخاص من أصحاب الثروات الطائلة يقومون بأشياء رائعة! لقد ذهلت أيضاً بالسرور والابتهاج الواضحين اللذين كانا باديين على محياه حين اتخاذه هذا القرار. لقد بدا الأمر كما لو أنه لم يقرر إحداث فرق في العالم فحسب، وإنما أن يجد متعة في القيام بذلك أيضاً. الواقع أن معظم الناس يحلمون بأن تكون لديهم ذات يوم ثروات كالتي يمتلكها بافيت. وأعتقد أن الكثيرين يتمنون أن يكونوا قادرين على إحداث الأثر الإيجابي الذي يمكن للمرء أن يحدثه بواسطة ثروة طائلة. فكثيراً ما يقول الناس "لو فزت باليانصيب لفعلت وفعلت..."، وحينها يتحدثون عن عمل خيري يتمنون القيام به لو أنهم كانوا يملكون ما يكفي من المال، مثل أن يرسلوا طفل أحد أقاربهم إلى الجامعة ويتكفلوا بمصاريفه، أو ينشئوا أنظمة ومحطات المياه الصالحة للشرب في بلدان العالم الثالث، أو أن يقوموا بتمويل بناء أحد الملاجئ للمشردين. إنني أعمل في المدارس حيث ينتشر العوز والفاقة بشكل كبير، وكثيراً ما تمنيت لو أنني أستطيع مساعدة بعض الأطفال الذين أتعامل معهم يوميا وأرى أحوالهم المادية غير المناسبة تماماً. وفي مرات كثيرة أقول في نفسي لو أنني فزت في اليانصيب، لتوفر لي ما يكفي من المال للقيام بالأمور التي كانت تبدو لي أعمالاً خيرية وكريمة لكنها فوق استطاعتي. غير أني ذات يوم، وبينما كنت أتحدث إلى أحد عملائي الصغار عن حياتي وأطفالي، لاحظت أنه ينظر إلي على أنني أملك أكثر مما يمكنه أن يتخيل! والواقع أن ذلك فتح عيني على ما هو مهم وما هو كاف. وفي ذلك الصيف قمت ومعلمه بإرسال الولد الصغير إلى المخيم الصيفي. لقد كان هو وأمه مشردين من دون مأوى، وقد كانت تلك المرة الأولى منذ زمن بعيد التي ينام فيها ليالي عدة على نفس السرير. الحقيقة الرائعة، والتي قد تكون مثبطة في الآن نفسه، هو أنه في محيط كل واحد منا عمل ما، هو أقوى مما قد يبدو لنا، يمكنه أن يحدث فرقاً هائلاً في حياة شخص ما. إن طبيعة عملي تأخذني كثيراً إلى أوساط مجتمعية تعاني الفاقة والحرمان، غير أن فرصة إحداث فرق كبير في حياة المحتاجين عن طريق أعمال صغيرة هي أعظم وأكبر. وإذا ما نظرنا إلى الأمر من جميع زواياه، نجد أن ثمة الكثير من المشاكل التي تؤرق العالم، وكذلك الكثير من الحاجة إلى درجة أنها قد تبعث على اليأس والاستسلام. فأحياناً عندما تنتهي نشرة الأخبار التلفزيونية في المساء، تجدني مرهقة مشغولة البال أفكر في ما إن كان عليّ أن أتبرع بكلية، أو أتبنى أحد الأيتام، أو أن أبعث برسالة أطلب فيها المساعدة من عضو البرلمان الذي يمثل دائرتي. غير أن الخطير هو أن ثمة ما يسميه البعض انقضاء الرأفة، عندما تبدو المهمة كبيرة وجسيمة جداً إلى درجة أننا نستسلم أو نكف عن الاكتراث لأحوال الناس. في وقت سابق من هذا العام، اختبرت طفلاً في التاسعة من عمره لم يكن يقرأ بصورة جيدة. ولم تكن الإنجليزية لغة "لويس" الأولى، كما كان يعاني من مشاكل أخرى، غير أنه كان موهوباً وبارغاً في تقدير الأبعاد ويرسم بشكل رائع. ولا بد أن السويعات المعدودة التي قضيناها معاً مثلت بالنسبة له الشيء الكثير، ذلك أنني كلما رأيته بعد ذلك كان يلوح لي بيده كما لو أننا كنا أصدقاء قدامى. وفي الأسبوع الأخير قبيل حلول العطلة المدرسية، شاهدت في إحدى الأمسيات نشرة الأخبار على التلفزيون أصابتني بإحساس مؤلم وفظيع بالعجز. ذلك أنني لم أكن أستطيع القيام برحلة بطولية إلى الأماكن الأكثر فقراً في العالم، غير أنني سرعان ما تذكرت "لويس" وأطفالاً آخرين تعاملت معهم. وقلت في نفسي إذا كنت أستطيع إحداث فرق صغير قريباً من بيتي، فربما لست عاجزة بالكامل. وهكذا ذهبت للتسوق ومعي قدر صغير جداً من المال، فاقتنيت مواد مختلفة للعديد من الأطفال ممن كانوا في حاجة إلى من يشجعهم. وفي آخر يوم من المدرسة، ناديت على كل واحد منهم وقدمت لهم مذكرة ودفتر رسم وأقلاماً ملونة. ولكل واحد منهم كنت أقول حين أقدم له الهدية "لديك موهبة خاصة، وآمل أن يساعدك هذا على تطويرها وصقلها". لقد كان الأطفال فرحين جداً بالهدايا، غير أن رد فعل "لويس" كان الأفضل على الإطلاق. فقد سألته ما إن كان يعرف ما الذي تعنيه كلمة "تشجيع"، فرد عليّ بدون تردد قائلا: "إنها تعني أن نضع الشجاعة في أحد ما عندما لا يشعر بالقوة". مذهل حقا! الواقع أن بافيت يستطيع أن يساعد ملايين الناس، غير أن الملايين منا يستطيعون القيام بذلك أيضاً. سوزان ديميرسمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ متخصصة في علم النفس ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"