يوجه مجتمع المنظمات الإنسانية اهتماماته في كوريا الشمالية نحو البشر، شأنه في ذلك شأن كل جماعات تقديم المساعدات في الأصقاع الأخرى من العالم التي تعاني من الاضطرابات والقلاقل. لكنه يعمل في بيئة تهيمن عليها السياسة، ولذا ينصبّّ اهتمامه في المقام الأول على الحاجات الأساسية للبشر الأضعف الأكثر تعرضاً للمخاطر.
لقد استولى على الصحافة في كل مكان اهتمامها بالمسألة النووية. لكن في كوريا الآن 3 ملايين طفل في حاجة إلى التغذية الملائمة والماء النظيف، إضافة إلى احتياج عموم سكان البلاد إلى الأدوية الأساسية وإلى رعاية أفضل في المستشفيات. ولو كنتم ترون ما نرى نحن هناك من تخلف وضعف الصناعة ومساوئ الزراعة ذات المردود المنخفض جداً وتدني الخدمات الطبية إلى مستوى جهنمي، فربما ستدركون أن هؤلاء البشر العاديين والأبطال في آن واحد يستحقون المساعدات التي نطلبها.
وقد قامت منظمة (اليونيسيف) في العام المنصرم بمسح ميداني واسع النطاق بالاشتراك مع برنامج الغذاء العالمي. وكشف التقرير عن نتائج صاعقة أظهرت أن 4 من كل 10 أطفال في كوريا الشمالية سيصابون بمشكلة تأخر النمو بسبب سوء التغذية. وفي الشهر الماضي تم نشر تقرير أعدّه كل من برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وفيه تقديرات تشير إلى أن النقص في كميات الحبوب هناك يقترب من مليون طن.
وقد أطلقت الوكالات والمنظمات التابعة لهيئة الأمم المتحدة ومنظمات الصليب الأحمر غير الحكومية مناشدات لتقديم مساعدات غذائية ودوائية تصل إلى 221 مليون دولار في الشهر.
إننا نسعى هنا إلى تلبية الاحتياجات الأكثر أساسية والأشد إلحاحاً، وهي تتطلب حجم مساعدات يفوق ما يبدو أن المجتمع الدولي مستعد لتقديمه في الظروف الحالية، ولا سيما فيما يتعلق بالماء النظيف والرعاية الصحية.
أما مسألة تردد المجتمع الدولي في تقديم المساعدات فنابعة من فترة عملنا هنا والتي مضى منها حتى الآن 9 سنوات ورأينا فيها استجابة كبيرة تجلت بالتبرعات الضخمة التي تدفقت في رد على الأزمة الإنسانية· وقد تم توزيع ملايين الأطنان من الأغذية وتنفيذ عدد كبير من برامج الرعاية الصحية والزراعة والتغذية والتثقيف الصحي. فكيف يقول قائل إن الأمور ما تزال سيئة وإن هناك حاجة إلى تقديم المساعدات الأساسية؟ هل السبب أننا أخفقنا في مهمتنا؟
لا، لم نخفق ولم نقصّر، بل أنقذنا أرواح الكثير من البشر هنا، كما نقوم بتحقيق تحسن كبير في الأوضاع. وفي ما يتعلق بارتفاع نسبة الوفيات والإصابة بسوء التغذية وتأخر النمو، فقد نجحنا في خفضها إلى النصف. وعلى رغم كل شيء، نجحنا في تأسيس مقدرة وقائية، ويعني ذلك أن من غير الممكن أن تضرب البلاد مجاعة جديدة ونحن فيها ونتلقى الدعم والمساعدات المناسبة.
لكن بعض المنتقدين يدافعون عن إنهاء عملية تقديم المساعدات الإنسانية إلى كوريا الشمالية ويطالبون بنقل المسؤولية إلى الحكومة. ويقول هؤلاء إن قطع المساعدات من شأنه أن يؤدي إلى تحويل موارد كوريا الشمالية عن ميدان الأهداف والغايات العدوانية لتصب في ميدان رعاية السكان المعرضين للخطر. تلك هي حجتهم التي يسوقونها. لكن دعونا نحجم عن طرح التوقعات غير الواقعية حول قدرة أولوية المهمة الإنسانية على إملاء أولويات الأمن القومي.
لقد بدأنا نرى أن الاستجابات والتبرعات السخية بدأت تتداعى وتترنح وتتناقص. ففي السنة الماضية، اضطر برنامج الغذاء العالمي إلى تعليق توزيع المساعدات على نحو 3 ملايين من أشد الكوريين الشماليين ضعفاً وفاقة -وكبار السن من بينهم- لكي يتسنى تقديم المساعدات إلى أشد الأطفال احتياجاً إليها. وفي الآونة الأخيرة، اضطررنا مرة أخرى إلى إيقاف عمليات توزيع الحبوب على 700 ألف من كبار السن ومن يتولى رعايتهم.
لكن من غير الممكن أن نستسلم الآن. بل لا ينبغي لنا أن نستسلم، وعلى رأس قمة الأسباب أن الأوضاع بدأت تتغير الآن. أجل، إن التغيير يحدث من حولنا في كل مكان هنا، وإن يكن تغييراً تدريجياً وحذراً. وهناك قدر أكبر من الانفتاح إذ منحتنا السلطات إمكانية وحرية الوصول إلى السوق المحلي في العاصمة (بيونغ يانغ). ولا تنسوا أن الهواتف الجوالة قد وصلت إلى هنا وأن تعديلات طرأت على الأسعار والأجور، وهو أمر له كبير الأثر وإن لم يكن في ذلك دوماً مؤشر إيجابي. وقد ارتفع عدد الزيارات المعنية بمراقبة عمليات المساعدات الغذائية بمقدار 50% في السنتين الماضيتين.
ومن حيث الأساس، نجد أن التغيير يطال الموقف من التغيير ذاته. فبدلاً من الدفاع الجريء عن نظام يفترضون أنه مثالي وصل إلى حد الكمال ولا يحتاج إلى أي تعديل، صارت السلطات الآن تفسح مجالاً للتغيير والتكيف والتعديل. لكن هناك سؤالاً يبحث عن إجابة ويقول: هل سيقف العالم متفرجاً أم أنه سيساعد في إنجاز العملية حتى النهاية؟
ولا بد لنا أيضاً من التطرق إلى المزاعم التي تقول إن المساعدات التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي تتحول وتأخذ سبيلها إلى الجيش الكوري. صحيح أننا لا نستطيع ضمان وصول كل ك