للبنان خصوصية استثنائية -بين الدول العربية- فيما يتعلق بالتركيبة الاجتماعية، والفكر الأيديولوجي، اللذين يفرضان نفسيهما -بكل قوة- على القرار السياسي الداخلي والخارجي. وأي قرار لا يأخذ في الحسبان تلك الخصوصية لا يمكن أن ينجح، وما رفض رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ومن بعده رئيس مجلس النواب نبيه بري، للمشروع الذي تقدمت به الولايات المتحدة وفرنسا لمجلس الأمن من أجل وقف إطلاق النار، ووضع حلول جذرية للمشاكل بين لبنان والكيان الصهيوني، إلا دليل واضح على تجاهل تلك الخصوصية، وهو ما يدفع بالأزمة إلى مزيد من التصعيد. خصوصاً بعد أن أثبت "حزب الله" كفاءة عالية في "قض" مضجع العدو أكثر مما فعلته الحروب النظامية الأربع الماضية! مع اختلافنا حول الثمن الذي دفعه لبنان -أرضاً وإنساناً- في تلك المعادلة، التي لم يخرج منها لبنان منتصراً! إذ عند نشر هذا المقال، يكون لبنان قد فقد أكثر من ألف شهيد، كما سقط من أبنائه نحو ثلاثة آلاف جريح، وخسر مليارات الدولارات-وهو بلد مدين بثلاثين ملياراً للخارج- وفقد البنية التحتية التي بناها طوال عشرين عاماً الماضية، ناهيك عن تبدد الثقة الاستثمارية لدى الأجانب، والذين (لم يصدقوا) أن هذا البلد الجميل قد عاد إلى هدوئه ومناخه الاستثماري الرائع. والذي يقرأ ملامح مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة وفرنسا إلى مجلس الأمن، يوم السبت الماضي، يلاحظ أنه قصد شلّ حركة "حزب الله" وتأمين حماية واضحة لإسرائيل، وخصوصاً الفقرة الرابعة من المشروع والتي تنص على الآتي: "اتخاذ ترتيبات أمنية لمنع استئناف العمليات العسكرية، بما فيها إنشاء منطقة عازلة من الخط الأزرق حتى منطقة نهر الليطاني، خالية من المقاتلين والأسلحة، باستثناء القوات اللبنانية وقوات دولية يتم نشرها بتفويض من الأمم المتحدة". والذي يقرأ النص جيداً، يجده أولاً، يجترئ على حدود لبنان، دون أن يضع جندياً أممياً داخل "الأراضي الإسرائيلية". ثانياً: يلاحظ أن نشر قوات لبنانية في تلك المنطقة يعني دق إسفين بين الطوائف اللبنانية، وهذا يُنذر بعواقب وخيمة على الأوضاع الأمنية الداخلية في لبنان، وخصوصاً أن أهل الجنوب يعيشون هناك ومعهم أفراد "حزب الله"! أما الفقرة الخامسة فتتحدث عن "فرض حظر دولي عسكري على تصدير السلاح والمواد ذات الصلة إلى لبنان باستثناء ما تأذن به الحكومة اللبنانية". وهو أيضاً يصب في خانة محاصرة "حزب الله"... في الوقت الذي لا يشير فيه من قريب ولا بعيد إلى حجم الأسلحة التي ترسلها الولايات المتحدة إلى تل أبيب، ولعل آخرها طائرتا القنابل المتطورة اللتان توقفتا في "أسكتلندا" ببريطانيا، في طريقهما إلى تل أبيب، وجوبهتا بتظاهرات في تلك المدينة، احتجاجاً على استخدام تلك القنابل في ضرب لبنان. والملاحظة الثالثة، أن نص المشروع لم يأت على ذكر سبب كل الدمار الذي لحق بلبنان واللبنانيين، وهو تبادل الأسرى والمعتقلين سواء لدى "حزب الله" أو لدى إسرائيل، ولقد قام "حزب الله" بأسر الجنديين الإسرائيليين لمبادلتهما بأسرى لبنانيين وعرب في سجون إسرائيل منذ أمد بعيد. وقد صرح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، بأن النص قد اشتمل على عبارة "وقف القتل وأعمال العنف" ولم يتضمن عبارة "وقف إطلاق النار" بوضوح! وهذا أيضاً يصب في مصلحة إسرائيل صاحبة اليد الطولى في الاعتداء بالنار أينما شاءت وكيفما ارتأت! فالقتل يُراد به "صواريخ حزب الله"، وكأن "إطلاق النار" الذي تمارسه آلة الحرب الإسرائيلية لا يؤدي- في النهاية- إلى القتل، أو ما هو أشد من القتل، خصوصاً في (قانا) و(البقاع)! كذلك لا ينصّ مشروع القرار على خروج القوات الإسرائيلية من أراضي لبنان صراحة، بل يشير الى "إنهاء وجود القوات الأجنبية في لبنان دون موافقة الحكومة اللبنانية". وفي ذلك تلميح إلى وجود قوات غير القوات الإسرائيلية، وإلا لماذا لم يذكر هذه الأخيرة بالاسم؟ ذلك رغم أنه تحدث عن "حزب الله" بكل وضوح وعن المقاتلين وأسلحتهم! إن الصياغات التي يعدّها الأجانب في الشؤون العربية، دائماً لا تكون دقيقة، بل تكون مطاطة، بحيث يقوم كل طرف بتفسيرها حسبما يراه من منطقه ومصلحته. ولعلنا نستذكر هنا نص القرار الدولي رقم 242 الذي خدع العرب. حيث قالت نسخته العربية "الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967"، بينما كان النص الإنجليزي-المعتمد- "الانسحاب من أراضٍ احتلتها إسرائيل عام 1967"، وكان لوجود (ال) تأثير سلبي لا زالت الدول العربية تعاني منه إلى اليوم! والملاحظ في مشروع القرار الحالي، أنه يخلو من أية عبارة تُدين الاعتداء بالقوة ضد المدنيين، وتجاوز إسرائيل لشروط عضوية الأمم المتحدة وانتهاكها القانون الدولي بضرب المدنيين والأطفال، ومراكز الأمم المتحدة وقتل موظفيها، والتعرّض لقوافل الإغاثة وأعمال الإنقاذ... وكل تلك الممارسات خارجة عن القانون! وكان من المفروض أن ينص القرار على ذلك صراحة في ديباجته. ونقف هنا مع موقف وزير الخارجية اللبناني الذي لامَ مجلس الأمن لتأخره في استصدار قرار بوقف إطلاق النار، ذلك، أن هذا التأخير يؤدي إلى تدمير ما تبقى من لبنان، وزيادة رهانات الموت بين إسرائيل و"حزب الله"، ومنها "إن ضربت إسرائيل بيروت فلسوف نضرب تل أبيب" -كلام حسن نصر الله- بل إن إسرائيل لم تحترم هدنة أعلنتها لمدة 48 ساعة لتتمكن هيئات الإغاثة من أداء واجبها تجاه المنكوبين، خصوصاً إخراج الجثث من تحت الأنقاض، وإيصال الأدوية إلى الجرحى! ونحن لا نرى غضاضة في المطالبة اللبنانية بالوقف الفوري لإطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من لبنان، فذلك مطلب سيادي يجب أن تأخذ به الدول صاحبة المقترحات والمشاريع الهادفة إلى حل الخلاف، بل معالجة لبنان الجريح! الشارع العربي، الذي وجد في صواريخ "حزب الله" مُتنفساً للحديث عن "مأثرة" أو "كرامة" عربية، لم يعلق آمالاً كبيرة على اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عُقد في بيروت الاثنين الماضي، وهو يعرف سلفاً أن اجتماعاً لا يمتلك حرية القرار لن يكون مسموعاً في العالم، خصوصاً بعد ما جرى في اجتماعات القاهرة! الإشكالية التي تحاشاها مشروع القرار الأميركي-الفرنسي، وهي انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، قبل بدء الترتيبات الأخرى، أوضحها المتحدث بلسان الحكومة الإسرائيلية يوم السبت الماضي، حيث ألمح إلى قبول الحكومة الإسرائيلية وقف النار، ولكن بشرط أن تواصل القوات الإسرائيلية احتلالها الحالي لبعض بلدات الجنوب، وهو أمر لا يرفضه "حزب الله" فحسب، بل يرفضه كل منطق، لأنها قوات احتلال، تجاوزت الخط المرسوم من الأمم المتحدة. زبدة الكلام، أن إسرائيل وحلفاءها يريدون لبنان جديداً، ولربما "نموذجاً" مسخاً عن "النموذج العراقي" الذي وُلد مشوهاً، ولا زال يكبر مع تشوهاته، وفي ذلك، خطر كبير على المنطقة بأسرها!