إمبراطورية أفلت مازال أبناؤها يعيشون في أوهام أمجادها... إمبراطورية كانت لا تغيب عن مستعمراتها الشمس، غابت شمسها منذ نصف قرن، وغابت اليوم عن مبادئها التي تفاخر بها أقدم ديمقراطية ملكية. إنها المملكة المتحدة منارة الديمقراطية وحقوق الانسان، أطفأ رئيس وزرائها توني بلير شعلتها الحضارية، حيث حولتها سياساته لتابع رسمي للسياسات الأميركية، وتحول بلير مع الزمن إلى ناطق باسم إدارة الرئيس الأميركي بوش، يوضح مواقفها ويصحح زلات لسان الرئيس الأميركي، بفطنته وذكائه الذي يفتقده الثاني يبتكر المصطلحات والسياسات التي تدور معظمها في محور السياسة الأميركية. وفي الحقيقة لم تشهد السياسة البريطانية تبعية للسياسة الأميركية قدر ماشهدتها في عهد بلير، مثيرة استياءً على المستوين الشعبي والرسمي سواء في حزب "العمال" أو حزب "المحافظين"، وأيضاً بين الأكاديميين والحقوقيين وحتى وسائل الاعلام. وتأكدت خلال ولايته التحالف والشراكة ممزوجين بالخنوع للطرف الأميركي، وفي الوقت ذاته أصبح متباعداً من الناحية السياسية مع شركائه الأوروبيين. واستمرت السياسة البريطانية تغرد خارج السرب الأوروبي يتبعها حيناً في سياساتها أحد الشركاء الأوروبيين مستنسخين المواقف الأميركية كالحكومة الإسبانية السابقة والحكومة الإيطالية وحكومة المستشارة الألمانية حالياً، قد تتقارب المواقف وقد تتباعد لكن تظل للمصلحة الوطنية الأولوية في خيارات الحكومات، لكن مواقف الحكومة البريطانية ظلت موضع تساؤل على الدوام لجهة تغليب الخيار الأميركي حتى حال تعارضه مع المصلحة البريطانية، حتى كان الانفجار في أحداث السابع من يوليو 2005، تلك التفجيرات التي أيقظت أسئلة، وأثارت مخاوف كامنة حول انعكاسات السياسة البريطانية في الشرق الأوسط، ومدى تواؤم المواقف الأميركية مع المصلحة البريطانية. "قوس التطرف" و"تحالف المعتدلين" مصطلحان غامضان استخدمهما رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في خطابه أمام "مجلس الشؤون الدولية" في لوس أنجلوس خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، فرسم في خطابة معالم الأنظمة السياسية وخرائط الحدود وتوزيع الثروات في منطقة الشرق الأوسط. وقال إن "هناك قوساً للتطرف، يتمدد حالياً عبر الشرق الأوسط، ويلامس دولاً تقع على مسافة بعيدة من المنطقة"، داعياً ومحذراً سوريا وإيران من دعمهما للإرهاب، وفي مقابل قوس التطرف هذا، دعا بلير لإقامة ما أسماه "تحالف المعتدلين" والذي سـ"يرسم مستقبلاً مختلفاً يمكن فيه للمسلمين والمسيحيين واليهود، وللعرب والغرب، وللدول الغنية والفقيرة التطور والتقدم بسلام وانسجام، ومن أجل هزيمة "التطرف العالمي" يجب إقامة تحالف للمعتدلين". كلام إنشائي جميل، لا تنقصه البلاغة والمراوغة اللتان اشتهر بهما رئيس الوزراء البريطاني، تبسيط شديد لواقع ساهمت السياسات الأميركية ومعها البريطانية في تعقيده. لقد تصاعد العداء لأميركا وبريطانيا في المنطقة كحاميتين لإسرائيل وداعمتين لحربها على لبنان، وفي ذات الوقت تزايدت الضغوط الشعبية على النظم العربية "المعتدلة" الموالية للولايات المتحدة، فكيف تتحقق معادلة تحجيم التطرف وتعزيز الاعتدال؟ إن "قوس التطرف" الذي تحدث عنه بلير، عمقته للأسف سياسات "مثلث الشر: الأميركي- الإسرائيلي- البريطاني"، فالمنطقة متجهة نحو التطرف والمزيد من التطرف كرد فعل متوقع، فماذا أبقت السياسات الأميركية لدعم النظم المعتدله، بعد أن قضت على احترامها بين شعوبها؟ إن النظرة الأحادية للسياسات الدولية ستنتج أقواساً من التطرف في الشرق الأوسط، فالمنطقة مؤهلة لتتكاثر فيها الجماعات المتطرفة، ومعها ستصبح الأراضي الأميركية والبريطانية أهدافاً "مشروعة"، مشاعر استشعرها وحذر منها الكاتب الصحافي روبرت فيسك Robert Fisk في مقال بصحيفة "الاندبندت" بعنوان: " A terrible thought occurs to me - that there will be another 9/11 "فكرة مروعة خطرت لي وهي أن 11/9 أخرى ستحدث". وهو محق. على الدوام كان ينظر للحكومات البريطانية على أنها أقدر على فهم الشرق الأوسط نظراً للتاريخ الاستعماري البريطاني في المنطقة من الحكومة الأميركية القادمة من القارة البعيدة، فعقلية "الكاوبوي" لم ولن تنجح في سبر أغوار منطقة تتميز بتمازج إثنياتها وقومياتها مع أديانها، وظلت النظرة للسياسة البريطانية على أنها أقدر بحكم كل ذلك على التأثير على سياسات واشنطن، لكن ذلك تبدد في السنوات الماضية وتجسدت علاقة التبعية بين واشنطن ولندن. اليوم تواطؤ بلير الواضح مع السياسات الأميركية والإسرائيلية يثير هلع الشارع البريطاني وتعكس افتتاحيات الصحف البريطانية نظرة مغايرة للسياسات الحكومية الرسمية، في ظل غضبة شعبية من مواقف الحكومة البريطانية التابعة للسياسة الأميركية بدءاً من الحرب على العراق، والتي لاتزال "نجاحاتها" تتوالى استقراراً وديمقراطية دامية، وصولاً إلى حرب أهلية وشيكة وتفكك العراق إلى أقاليم طائفية وعرقية، وحتى المهادنة البريطانية والسكوت المخزي لإبادة الشعب اللبناني. تعكس النظم الديمقراطية التوائم بين الرغبات الشعبية والسياسات الحكومية، وتوجه خيارات الناخب نتائج الانتخابات وتفضيلات السياسيين، الحالة البريطانية تعكس خللاً في النظرية الديمقراطية، ويواجه بلير انتقادات واسعة حتى من داخل حزبه، لدعمه المطلق للموقف الأميركي ولتجاهله الدعوة لوقف فوري لإطلاق النار. وقد وجه عدد من الوزراء والسفراء ورؤساء وكالات إغاثة وأكاديميون بريطانيون سابقون ومحامون في حقوق الانسان في رسالة مفتوحة دعا موقعوها رئيس الوزراء البريطاني إلى حث كل من إسرائيل و"حزب الله" على إيقاف هجماتهما المتبادلة، قد حذروا توني بلير من خطورة دعم الموقف الأميركي حول الأزمة الراهنة بين لبنان وإسرائيل، وفي ذات الوقت إذ تدفق آلاف البريطانيين السبت الماضي إلى لندن للمشاركة في تظاهرة كبيرة احتجاجاً على النزاع في لبنان ودعماً لوقف إطلاق النار. حمل لواء الدعوة لهذ التظاهرة تحالف (أوقفوا الحرب)، وتهدف التظاهرة بالأساس لتكثيف وتصعيد الضغوط على بلير كي يفك تحالفه غير المشروط مع الرئيس الأميركي من ناحية، ويدعو إلى وقف لإطلاق نار فوري وغير مشروط. الحكومة البريطانية تدعم الموقف الأميركي من الحرب الإسرائيلية على لبنان، في الوقت الذي يسيطر فيه الغضب في أوساط حزب "العمال" الحاكم من فشل بريطانيا رغم الأزمة الإنسانية التي يعيشها لبنان من مجرد دعوة الشريك الأميركي لتبني وقف فوري لإطلاق النار، وهو موقف مخزٍ بلا تبرير ولا مصلحة مباشرة لبريطانيا. استنساخ المواقف الأميركية هو المحصلة النهائية لسياسات بلير سيذكر التاريخ ذلك.