لم يسبق لنا أن كنا هنا في منطقة الشرق الأوسط بهذه الصفة من قبل. غير أن حلفاءنا البريطانيين سبق لهم أن خاضوا التجربة، باحتلالهم العراق في عام 1917 إبان الحرب العالمية الأولى. وقد منحتهم تلك التجربة خبرة واسعة يمكننا الاستفادة منها. وقتها كانت الإمبراطورية العثمانية الناطقة باللغة التركية هي التي تسيطر على منطقة الشرق الأوسط التي تتحدث اللغة العربية. وما أن اندلعت الحرب، حتى وقفت الإمبراطورية العثمانية إلى جانب ألمانيا ضد إنجلترا. مع نهاية الحرب، وجدت بريطانيا المنتصرة نفسها في موقف الغازي الغانم، فكان أن وقعت في يديها - ضمن ما وقع- ثلاث من المحافظات التابعة للإمبراطورية العثمانية في المنطقة، دمجت بينها بريطانيا جميعا لتشكل الدولة الموحدة التي تعرف اليوم باسم العراق.
في أوج الانتصار الذي حققته بريطانيا العظمى بين العامين 1918 و1919 استطاعت المملكة العظمى أن تحرس المنطقة بأسرها بقوة قوامها مليون مقاتل. وما من قوة عسكرية دولية، كانت قادرة على منازعة المملكة العظمى في تفوقها العسكري ذاك. وكان على بريطانيا وحدها أن تقرر فيما سيكون عليه مستقبل العراق، كما يبدو.
هنا على وجه التحديد، تكمن الخبرة التي تلزم الأميركيين، ويمكنهم أن يتعلموها في هذا العام الحالي 2004· كانت الإمبراطورية العثمانية العملاقة، قد انهارت فجأة في خريف عام 1918· ولفرط الدهشة والمفاجأة، فقد شلت لندن، ولم تتمكن من وضع خطة مفصلة لما يجب أن تكون عليه بغداد والموصل والبصرة وغيرها من كبريات المدن العراقية. وفي عام 2003، وجد الأميركيون أنفسهم في موقف شبيه بذاك الذي كانت عليه المملكة العظمى، على رغم ما قيل لنا من أن الأسباب تختلف هذه المرة بعض الشيء. من المؤكد أنه تمت صياغة بعض الخطط الخاصة بنظام الحكم في مرحلة ما في واشنطن،غير أن المسؤولين عن تسيير سلطة التحالف الدولي في العراق، قد تجاهلوا تلك الخطط فيما يبدو. وسواء تعلق الأمر بسياسات المملكة العظمى تجاه العراق في تلك السنوات الباكرة من مطالع القرن العشرين، أم السياسات الأميركية الراهنة تجاه العراق في مطالع القرن الحادي والعشرين، فإن القاسم المشترك في الحالتين هو الانقسام في صفوف الحكومة نفسها إزاء ما يجب فعله في العراق.
ولعل أكبر انقسام داخلي في صفوف الإدارة الأميركية الحالية، هو ذلك النزاع الدائر بين وزارتي الخارجية والدفاع بشأن السياسات الواجب اتخاذها حيال العراق. أما في المملكة العظمى سابقا، فقد كان النزاع بين الحكومة البريطانية في لندن، ومستشاريها في المستعمرة المصرية وقتئذ. كما كان هناك نزاع شبيه يدور بين الحكومة البريطانية من جانب، والحكومة البريطانية في الهند. لحظتها بادرت الحكومة البريطانية في الهند بغزو كل من البصرة وبغداد والموصل، على أمل أن تتمكن من الحفاظ على سيطرتها على محافظة البصرة على الأقل.
غير أن منسق شؤون الشرق الأوسط وقتها، سير مارك سايكس، حذر الحكومة الهندية من أنها لن تستطيع أن تحكم منطقة الشرق الأوسط بعقلية وتقاليد (البيض والسود) السائدة حينها في الهند. وعلى رغم ذلك التحذير، فقد أصر الفريق أول ستانلي مودي، قائد (قوات دجلة) البريطانية - الهندية المنتصرة وقتئذ، على تشكيل إدارة عسكرية للمحافظات العراقية الثلاث التي تم غزوها بواسطة قواته. وكان الجنرال المذكور على قناعة لا تتزعزع بأن إنشاء إدارة عسكرية للاحتلال هناك، هي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها إقامة سلطة مدنية مستقرة وراسخة فيما بعد في المحافظات الثلاث. إلا أن العاصمة لندن، كان لها رأي آخر غلبته على رأي الجنرال. وكان ذلك الرأي يتلخص في محاولة تحسس ومعرفة القادة العرب المحليين المحتملين للمنطقة. إلا أن تلك المحاولة لم تزد الوضع إلا تعقيدا على ما كان عليه أصلا.
كان الوقت حينها يتسرب سريعا من بين أصابع المملكة. وقتها جاء تحذير ونستون تشرشل الذي عين لحظتها وزيرا للحرب. حذر تشرشل مجلس العموم البريطاني من أن يقدم على حل الجيش قبل أن تتحقق للمملكة كل الشروط التي اشترطتها. وتجاهل مجلس العموم ذلك التحذير بالطبع وصادق على قرار حل الجيش. فما الذي حدث؟ استغرقت عملية إعادة المقاتلين الموجودين في شتى جبهات القتال خمس سنوات بالتمام والكمال. كما ازدادت الضغوط الاقتصادية على نحو لم يكن متوقعا أو يحسب له حساب. وتحت تأثير تلك المضاعفات، دخل اقتصاد المملكة موسم كساد، لم يعد ممكنا معه تمويل المغامرة الإمبراطورية، سواء في العراق أم غيره من شتى بقاع الأرض التي وطئتها جحافل الإمبراطورية الغازية.
كان طبيعيا ومنطقيا إذا، أن تفشل جهود المملكة العظمى في إنشاء قيادة عربية محلية للمحافظات الثلاث التي كانت تحتلها الإمبراطورية العثمانية سابقا وحتى عشية نهاية الحرب العالمية الأولى. وما أن تم حل القوات البريطانية الموجودة في العراق، حتى ضربت الفوضى بأطنابها، على رغم أنها لم تكن بهذا الحجم الذي تشهده الآن بغداد وغيرها من المدن العراقية في ظل الاحتلال الأميركي