تتردى الأزمة اللبنانية كل يوم من سيئ إلى أسوأ، بمعاناة أصحابها، وبإمتداداتها الإقليمية، وتكفي الطبيعة الإسرائيلية العدوانية، والضعف الأميركي أمامها، ومأزق "حزب الله" الذي لا يستطيع أن يخرج منها بدون "إي انتصار" كي نتوقع مزيداً من السوء، ومزيداً من الجثث والدماء والدمار، وبالتالي لا أحد يحتاج من يصب زيتاً على النار، ويثير فتنة مذهبية غبية بين سنة وشيعة، ليس هذا وقتها، بل لا يوجد أصلا أي وقت يبررها، وللأسف تطلع هذه الأصوات من بلدي، من السعودية. لقد تحملت السعودية الكثير في هذه الأزمة، لصراحتها يوم أن قالت لأخيها المخطئ: أخطأت، ولكن لم يقعدها ذلك عن واجبها، فشمرت عن ساعديها فقادت العمل السياسي العربي من أجل وقف العدوان على كل لبنان، للتوصل إلى حل شامل دائم، ينطلق بعده لبنان حراً كريماً في نهضة لا ينكفئ بعدها أبداً بإذن الله، وتؤسس الآن لعمل عربي ودولي لإعادة إعمار ما خربته الهمجية الإسرائيلية والصمت الأميركي. لن تنتهي التحديات بعد الحرب، بل ستكون هناك مشاكل بين "حزب الله" وغيره من الأحزاب، مهما حسنت النوايا، ودستور واتفاق الطائف يحتاج إلى إعادة شرح وتطبيق، ومهجرون يحتاجون إلى سنوات كي يعودوا إلى مناطقهم، واقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء، ومستثمرون فقدوا الثقة يحتاجون إلى من يطمئنهم مجدداً إلى أن هذه آخر الحروب، ودول عربية ستنسى كل ما وعدت به وغضبت وشجبت من أجله، لتبقى المملكة العربية السعودية مع دول عربية أخرى قليلة، يؤازرون الحكومة والشعب اللبنانيين بكل طوائفه، سنرى الإعمار السعودي من الضاحية إلى الجبل، لقد فعلت المملكة ذلك من قبل وستفعله مرة أخرى. فتكفيها هذه المسؤوليات والتحديات، وآخر ما تريد أن ترى فتنة طائفية وأجواء انقسامات مذهبية في لبنان أو في السعودية أو في العالم الإسلامي، بسبب فتاوٍ غير مسؤولة، وتصريحات حمقاء مشبعة بالتعصب، لا تستند إلى واقع سياسي أو حقائق قائمة، وللأسف يخرج بها علماء ودعاة سعوديون. إن آخر شيء كان في ذهن "المصدر السعودي المسؤول" الذي حدد في أول بيان سعودي بعد اندلاع الأزمة، موقف السعودية والذي لا زال يحمل "حزب الله" مسؤولية اندلاع الأزمة الحالية، هو البعد المذهبي، وما كان الموقف السعودي سيختلف لو كان الذي قام باختطاف الجنديين الإسرائيليين وأشعل الأزمة هو "الجماعة الإسلامية" (السنية) أو الحزب الشيوعي اللبناني. وليس سراً أن المملكة على علم بتعهد كتابي أمضاه "حزب الله" لشركائه في الحكومة اللبنانية، بأنه لن يقدم على عمل يقلب به الطاولة على الجميع خلال موسم الصيف الحالي، مصدر رزق مئات الآف من اللبنانيين، وطالما أن جولات الحوار الوطني اللبناني جارية، وهو الحوار الذي كان سيقود في النهاية إلى تطبيق اتفاق الطائف على الحزب بنزع سلاحه وضم رجاله إلى الجيش وبسط سلطة الدولة على كامل التراب اللبناني، والذي سيعود إلى طاولته السيد حسن نصر الله بعد أن "ينتصر" في الحرب الجارية. سيتخشب أنصار أصحاب السماحة العلماء، والفضيلة الدعاة، أن يعترض "كاتب صحفي" على ما يعتقدونه "فقهاً شرعياً" و"فتاوي مؤصلة"، فيلوحوا بالحديث النبوي إن "العلماء ورثة الأنبياء" وإن لحوم العلماء مسمومة وغير ذلك من وسائل إسكات المخالف لهم، والتي أجادوا استخدامها بعد أن قرروا أن يتحولوا إلى "محللين سياسيين ومنظرين استراتيجيين"، متخلين عن دورهم الأساسي في إرشاد العباد في شؤون الدين، وطمأنة الأرواح القلقة في غمرة الفتن والأحداث. والحق أن ما نقل عن عضو هيئة كبار العلماء سابقاً الشيخ عبد الله بن جبرين في فتاواه الشهيرة والتي قال فيها إنه "لا يجوز نصرة هذا الحزب الرافضي, ولا يجوز الإنضواء تحت إمرته, ولا يجوز الدعاء له بالنصر والتمكين, ونصيحتنا لأهل السنة أن يتبرأوا منه, وأن يخذلوا من ينضموا إليه, وأن يبينوا عداوتهم للإسلام والمسلمين وضررهم قديماً وحديثاً على أهل السنة, فإن الرافضة دائماً يضمرون العداء لأهل السنة, ويحاولون بقدر الاستطاعة إظهار عيوب أهل السنة والطعن فيهم والمكر بهم, وإذا كان كذلك فإن كل من والاهم دخل في حكمهم لقول الله تعالي (ومن يتولهم منكم فإنه منهم)"، وقد أوردتها بكاملها لأوضح مبلغ الضرر على طموحات العقلاء الساعين إلي توحيد الأمة وإزالة أسباب الخصام والفرقة، من خطاب قديم غارق في الكراهية، إنما هي فتوى صحيحة النسب، وإن كانت المناسبة غير الأحداث الجارية اليوم، إذ أفتى بها الشيخ قبل سنوات، ولكن استدعاها أحد مروجي الكراهية لتوظيفها في مأزق المتطرفين السلفيين الذين وقعوا فيه عندما روجوا أن ثمة "حلفاً سرياً أميركياً، إسرائيلياً، شيعياً"، فوجدوا أمامهم حزباً شيعياً أصولياً لا يقل تعصباً عنهم، يوجع إسرائيل ويثخنها بالجراح، ويبلي بلاء حسنا في قتالها، فكيف تستقيم النظرية مع التطبيق؟ وسارع شيخ آخر هو ناصر العمر، والذي لم يخفِ يوماً ضيقه من الشيعة، فأعد تقريراً استخبارياً قبل عقد من الزمان، استعرض فيه نجاح المواطنين السعوديين الشيعة في الترقي وظيفياً ومعيشياً في مختلف الدوائر من "أرامكو" إلى التعليم والبلدية. والحق أن ما اشتكى منه ناصر العمر، شهادة للحكومة السعودية بأن النهضة التي تقودها لم تحرم منها طائفة سعودية أو قبيلة أو منطقة. لقد سارع العمر بإسناد فتوى بن جبرين بقراءته السياسية للفتوى، وتنظيره الاستراتيجي بالتصريح على بعض الفضائيات العربية أن الأحداث الجارية تثبت عداء الشيعة وإيران لأهل السنة، وأن عداءهم لا يقل عن عداء إسرائيل، لمجرد أنهم شيعة، كلام فارغ لا يستحق الالتفات إليه لو لم يقرأه البعض خطأً بأنه مرتبط بالموقف السعودي الأول المنتقد لمغامرة حزب الله، وما هو بذلك. لقد اختلفت المملكة يوماً مع إيران، ليس لأن الأخيرة شيعية إمامية، وإنما لأن إيران كانت تحلم بأن ثورتها الإسلامية هي المنقذة للأمة، وأن الله اختارها لنشر هذه الثورة إلى جيرانها، وعندما عادت إيران إلى منطق الدولة، وحسن الجيرة، لم تتردد المملكة في التجاوب معها وتحولت العلاقة ولا تزال إلى علاقة تعاون يفيد البلدين، تماماً مثلما حصل مع مصر "السنية" والتي اعتقد زعيمها الراحل عبد الناصر أن ثورته القومية اليسارية هي المنقذ للعرب، وأن الفرصة سانحة كي يمد ثورته إلى كل العرب، فحصل ما حصل مع عبد الناصر الذي غادر هو وثورته مسرح التاريخ وبقيت المملكة ومصر شقيقتين متعاونتين. لعل صورة تلك الفتاة الشيعية في قانا وهي تبكي أمها وأختها، وتتجه إلى الله وإلى نفس القبلة التي يتوجه لها الشيخ العمر، وتدعوه أن يرحمهم، وأن يدمر القوة الإسرائيلية التي استعلت علواً كبيراً، وبطشت بالشيعي والسني والماروني والدرزي اللبناني. لعل تلك الصورة تساعد العمر أن يعيد النظر في تحليلاته السياسية العميقة، أو أن يتخلى عنها ويعود إلى كتبه في العلم الشرعي، رحمة بنا وبه، فلدى حكومته من المشاكل والتحديات ما يكفيها.