مع بداية الأسبوع الثالث للعدوان الهمجي الإسرائيلي على لبنان، سجلت مؤشرات الساسة والعسكريين والإعلاميين في إسرائيل، تراجعاً عن تصورات إحراز نصر سريع على الأرض يمكّن إسرائيل من تصفية قواعد المقاومة في الجنوب، وإقامة منطقة خاضعة للقوات البرية الإسرائيلية. عندما قررت إسرائيل الرد على عملية خطف الجنديين على نطاق واسع، وأطلقت طائراتها وصواريخها وبوارجها لتحاصر لبنان وتقطع عنه الامدادات الخارجية بالقصف عن بعد، كانت تراود القادة الإسرائيليين تصورات بأن جرائم الحرب ضد المدنيين وتهديم الأحياء السكنية من ناحية، وقطع خطوط الامداد عن قوات المقاومة في الجنوب وقصف مراكز قيادتها من ناحية ثانية، سيشكلان عنصراً ضاغطاً يسمح للقوات البرية الإسرائيلية أن تستولي بسهولة على رأس جسر بري في قرية "بنت جبيل"، يتم توسيعه بسهوله. وقامت التصورات الاستراتيجية في هذا الرد واسع النطاق، على اقتناع بأن تعطيل صدور قرار وقف إطلاق النار بواسطة الولايات المتحدة لمدة أسبوعين أو ثلاثة، سيعطي المهلة الزمنية الكافية للجيش الإسرائيلي لانجاز مهمته، والإعلان عن خلو شريط بري في لبنان بعمق عشرين كيلومتراً من وجود "حزب الله"، تمهيداً لاستحضار قوة دولية لتحل محل قوات الجيش الإسرائيلي. هذا التصور المتفائل لإعلان الانتصار الإسرائيلي في غضون ثلاثة أسابيع من بدء الهجوم، تعرض للانكسار بفعل صلابة المقاومة في "بنت جبيل". لقد انشغلت قنوات الإذاعة والتليفزيون العبرية طوال يوم الخميس الماضي، بالإعلان كل نشرة إخبارية عن مواعيد تشييع قتلى الجيش الإسرائيلي، وأماكن تحرك الجنازات بعد أن تبين أن عملية اقتحام "بنت جبيل" لم تنجح، كما سبق للمتحدثين الإسرائيليين أن أعلنوا يوم الأربعاء. وبالترافق مع أخبار الجنازات، تواردت تصريحات قادة الحكومة والجيش تؤكد انكسار التصورات، وتراكمت المؤشرات. فقد قرر المجلس الوزاري المصغر الذي يتولى إدارة الحرب، استدعاء وحدات جديدة من الاحتياط ورفض توسيع العمليات البرية في الوقت الراهن خشية وقوع خسائر أفدح، وتكثيف القصف الجوي وتصعيد أسلوب العقاب الجماعي ضد قرى الجنوب، بحيث يتم تدمير أي قرية ينطلق من جوارها صاروخ إلى العمق الإسرائيلي. رئيس الوزراء تحدث عن المرور بأوقات صعبة، فسرها الجنرال "دان ياتوم" أحد قيادات حزب "العمل" المشارك في الحكومة بقوله: إن الأهداف الأولى التي وضعت للعملية العسكرية كانت تتسم بالمبالغة، وإن الحكومة أصبحت تدرك الآن أن مسح "حزب الله" من الوجود ليس أمراً واقعياً، وإن النصر في هذه المعركة سيكون بالنقاط وليس بالضربة القاضية. لقد أشار أكثر من محلل عسكري في صحف "هآرتس" و"معاريف" و"يديعوت أحرونوت" إلى أن الحرب قد تعثرت وأنها ستستمر وقتاً طويلاً. وهو ما أكده الجنرال "أودي آدم" قائد المنطقة العسكرية الشمالية، مشيراً إلى معركة تتواصل أسابيع أخرى. إن التعليق الذي أطلقه "ران كوهين" العقيد احتياط، الذي شارك من قبل في معارك بجنوب لبنان، يتوج كل هذه المؤشرات الدالة على انكسار تصورات النصر السريع. لقد قال العقيد: "إن الحرب تجرنا من أنوفنا إلى أن نغوص عميقاً في المستنقع اللبناني، و"حزب الله" يريدنا الدخول إلى أراضيه، وما أن يدخل الجيش إلى لبنان لفترة من الوقت فسوف يكون ذلك جحيماً بالنسبة لنا، وكلما تعمقنا أكثر كلما زادت الأمور سوءاً." هذا التعليق يعيدنا إلى تذكر الوضع في جنوب لبنان قبل انسحاب إسرائيل من طرف واحد عام 2000، ذلك أن وجود الحصون الإسرائيلية داخل الأرض اللبنانية مع جيش لبنان الجنوبي التابع لإسرائيل، لم يحل دون وقوع هجمات قاسية ضد القوات الإسرائيلية، ما أنجب قرار الانسحاب من جانب واحد. لقد فرضت إسرائيل بالرد العسكري الواسع على عملية خطف الجنديين، واقعاً مريراً على لبنان و"حزب الله"، يمكن أن نشبهه بابتلاع نصف شفرة موسى حلاقة حاد يقف في الحلق، ويصعب إخراجه أو دفعه إلى الإمعاء. ومع انكسار تصورات النصر السريع يحق لنا طرح السؤال الوارد بالعنوان، حيث يبدو أن إسرائيل قد ابتلعت نصف الموسى الثاني.