كشف تدقيق مالي فيدرالي صدر يوم الجمعة الماضي عن أن الوكالة التابعة لوزارة الخارجية الأميركية، المكلفة بـ 1.4 مليار دولار من الأموال المخصصة لإعادة الإعمار في العراق، عمدت إلى إخفاء نفقات ضخمة مرتبطة بمشاريعها هناك، كما لم تخبر عمدا الكونغرس بحالات تأخر في البرنامج الزمني الخاص بالمشاريع هناك. فحسب التدقيق المذكور الذي أشرف عليه مكتب المفتش العام المكلف بإعادة إعمار العراق، وهو مكتب خصوصي يرفع تقاريره إلى الكونغرس و"البنتاغون" ووزارة الخارجية، فقد عمدت الوكالة إلى إخفاء حالات تجاوز للميزانيات المخصصة لمشاريع إعادة الإعمار، وإدراج النفقات الزائدة ضمن نفقات التسيير أو النفقات الإدارية. الوكالة، واسمها "وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية"، تقوم بإدارة مشاريع المساعدات الخارجية عبر العالم، وقد بدأت الإشراف على مشاريع إعادة الإعمار في العراق بعيد غزو 2003 بقليل. ولا يحتوي التقرير الذي أعده مكتب المفتش العام على عمليات تدقيق مالي لجميع المشاريع الممولة من قبل الوكالة، التي تقدر ميزانيتها بـ1.4 مليار دولار، غير أنه يورد عدة أمثلة. وإذا كانت الخلاصات التي خرج بها التقرير تستند إلى تدقيق مالي شمل أحد مستشفيات الأطفال في البصرة، فإنها تحيل على أنشطة إعادة الإعمار التي تشرف عليها الوكالة في العراق بصفة عامة. ويُذكر أن مسؤولين أميركيين وعراقيين أعلنوا هذا الأسبوع أن وزارة الخارجية الأميركية تعتزم إقصاء شركة "بكتيل"، وهي الشركة المتعاقد معها لإنجاز المشروع، ما يؤشر على أن مشاكل الميزانية والتخطيط الزمني بدأت تطفو على السطح. وقد أحالت سفارة الولايات المتحدة في بغداد أسئلة حول التدقيق المذكور إلى وزارة الخارجية في واشنطن. وقال المتحدث الرسمي باسم هذه الأخيرة "جاستين هيغينز" يوم السبت إننا "لم نحظ بعد بفرصة مراجعة التقرير بكامله، ولكن الأكيد أننا سندرسه جيداً على غرار جميع تقارير المفتش العام". أما شركة "بكتيل"، فأعلنت أنه لم يكن بالإمكان استكمال مشروع المستشفى في الوقت الذي كان محدداً له نظرا لتدهور الأوضاع الأمنية في البصرة. غير أن هيغينز أوضح أنه "رغم التحديات، فنحن ملتزمون بهذا المشروع حتى يتلقى الأطفال المرضى في البصرة العناية الطبية التي يحتاجونها. والتمويل الضروري متوفر اليوم لضمان حدوث ذلك". وتعود خيوط القصة إلى مارس 2005، حين طلبت "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" من مكتب إعادة إعمار العراق في سفارة الولايات المتحدة ببغداد الإذن لتقليص حجم بعض المشاريع في محاولة للتخفيف من المشاكل المالية. وفي هذا الإطار، قالت الوكالة في طلبها إنها مضطرة إلى "تقليص نفقات البناء المرتفعة" في مستشفى البصرة، وإنها ستقوم بتغيير طفيف للأولويات وتقليص "نفقات التسيير الخاصة بالشركة المتعاقد معها". وقد وافقت السفارة الأميركية على الطلب، غير أن التدقيق وجد أن الوكالة فسّرت الوثيقة على أنها إذن بتغيير الإعلان عن النفقات في برنامجها. وفي هذا السياق، كتب المفتش العام يقول في حديثه عن موافقة مكتب السفارة "إن المذكرة لم تقصد منح الوكالة الأميركية للتنمية الدولية إذنا لتغيير الكشف عن النفقات غير المباشرة". ومما يذكر أن ميزانية بناء المستشفى كانت تبلغ 50 مليون دولار، غير أن "بكتيل" أخبرت الوكالة في أبريل المنصرم أن استكمال المشروع سيتطلب في الواقع 98 مليون دولار بالنظر إلى ارتفاع نفقات الأمن ومشاكل أخرى. والحال أن الوكالة أعلنت في تقرير رسمي إلى الكونغرس ذاك الشهر- يقول المفتش العام- "إن كلفة مشروع المستشفى تبلغ 50 مليون دولار". أما بقية الكلفة فقد أعيد إدراجها ضمن نفقات التسيير أو "النفقات غير المباشرة". وفي هذا الإطار، يقول مسؤول مكلف بالتعاقد في الوكالة أشار إليه التقرير، إن هذه الأخيرة "لم تعلن في تقاريرها عن هذه النفقات حتى تظل في حدود 50 مليون دولار المسموح بها". وفي حديثه عن طلب وكالة التنمية الدولية الذي وافقت عليه السفارة، كتب المفتش العام يقول "لقد وجدنا الاتفاقية بكاملها غير واضحة"، مضيفاً "فالوثيقة تقول إن ارتفاع كلفة مشروع المستشفى سيتم التغلب عليه عبر تقليص نفقات التسيير المرتبطة بالمشروع، غير أن تقارير المشروع لتلك الفترة لا تظهر أي جهد يروم تقليص نفقات التسيير تلك". وعلاوة على ذلك، يقول التقرير إنه يشتبه في وجود نفقات أخرى لم يتم الإعلان عنها من شأنها أن ترفع الكلفة الإجمالية إلى مستويات أعلى بكثير. ففي حالة أخرى يوردها التقرير، تبلغ الكلفة المباشرة لإنجاز مشروع محطة كهربائية في "المصيّب" -كما تقول وكالة التنمية- 6.6 مليون دولار، غير أن نفقات التسيير بلغت 27.6 مليون دولار. أما النتيجة، فهي أن نسبة نفقات التسيير الخاصة بالمشروع، والتي تقدر عادة بـ 30 في المئة كحد أقصى، بلغت 418 في المئة. وحسب التقرير، فقد تمثل التأثير العام لهذه النتائج في "إعلان خاطئ خطير حول نفقات مشروع المستشفى" ذلك أن الكلفة الحقيقية قد ترتفع إلى ما مجموعه 169.5 مليون دولار، حتى بعد احتساب 30 مليون دولار على الأقل من المعدات الطبية التي تعهدت إحدى المنظمات الخيرية بتوفيرها. إلى ذلك، وجد المفتش العام أيضاً أن الوكالة لم تخبر الكونغرس بحالات تأخر تتعلق بالبرنامج الزمني الخاص بالمشروع. وفي هذا السياق، يقول المفتش العام إن "بكتيل" أخبرت في السادس والعشرين من مارس الماضي الوكالة أن مشروع المستشفى متأخر بـ273 يوما عن الموعد المقرر لانتهاء أشغال البناء. غير أن الوكالة في تقريرها لشهر أبريل إلى الكونغرس حول سير أشغال جميع المشاريع، "قالت إنه لا توجد مشكلات بخصوص الجدول الزمني للمشروع". جيمس غلانز مراسل "نيويورك تايمز" في بغداد ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"