كم بدت قريبة من المنال طموحات تحقيق السلام في إقليم دارفور السوداني, لحظة وصول قادة قوات التمرد إلى فندق الـ"جرين فيلدج" في العاصمة الخرطوم. وحينها بدا التوتر النسبي على أعضاء الوفد , إلا أنهم واصلوا مناقشة تطورات الأحداث في الإقليم. غير أن التقارير الواردة من الإقليم تعطي انطباعاً مختلفاً جداً عن الواقع هناك. وتشير التقارير هذه إلى تصاعد حدة العنف والمواجهات داخل معسكر اللاجئين الذي يسعى لإيواء 2.2 مليون من النازحين الذين شردتهم النزاعات والمواجهات المسلحة, منذ التوقيع على اتفاق السلام بين الحكومة السودانية وبعض فصائل التمرد في الخامس من شهر مايو الماضي. أما عدد الذين لا يستطيع برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة الوصول إليهم لأسباب أمنية, فقد قفز إلى نحو 350 ألفاً في شهر يونيو الماضي, مقارنة بمتوسط معدله الذي يصل إلى نحو 150 ألفاً في شهري أبريل ومايو الماضيين. وفي الوقت ذاته فقد ارتفعت موجة العنف القبلي وأعمال النهب والسلب والهجمات ضد عمال الإغاثة الدوليين والقوات الإفريقية لحفظ السلام هناك. ومن جانبهم ذكر مسؤولو الأمم المتحدة أن قوات الحكومة السودانية وقوات حركة التمرد التي يقودها مناوي– مع ملاحظة أنهما الطرفان الموقعان على اتفاقية السلام- تنسق مع بعضهما البعض في شن هجمات عسكرية على قوات الحركات الأخرى التي رفضت التوقيع على الاتفاقية. يذكر أن الرئيس بوش كان قد اتهم الحكومة السودانية من قبل بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية ضد المدنيين وسكان الإقليم. وفيما لو صحت معلومات الأمم المتحدة, فإن هناك لقاءً مرتقباً بين بوش ومناوي الذي تقاتل قواته جنباً إلى جنب مع قوات الحكومة السودانية التي سبق لبوش اتهامها بجرائم الإبادة الجماعية. وعلى حد قول مسؤولين من قوات حفظ السلام الأفريقية, فقد شهدت الفترة الأخيرة ارتفاعاً في بلاغات النازحين من سكان المخيم, عن جرائم الاغتصاب والإعدامات في أوساط قبيلة "الفور" المنافسة لقوات "مناوي". غير أن ناطقاً رسمياً باسم "مناوي" نفى صحة تلك المزاعم, بينما نفى "مناوي" نفسه أن تكون قواته تعمل بالتنسيق مع الحكومات الحكومية على شن هجمات على المجموعات والحركات التي لم توقع على اتفاقية السلام في شهر مايو المنصرم. لكن وعلى رغم هذا النفي, فإن "جان برونك", كبير مسؤولي الأمم المتحدة في السودان, يحذر من المخاطر الجمة المحيطة باتفاقية السلام في دارفور, والتي ربما تؤدي إلى انهيارها. وعليه فإن هناك بضع خطوات لا يزال ممكناً لإدارة بوش اتخاذها من أجل تحقيق السلام في الإقليم. في مقدمة هذه الخطوات فإن عليها التصدي لمشكلة الفجوة الأمنية. والشاهد أن غالبية نازحي الإقليم ممن لا يزالون يقيمون في المخيمات الكبيرة التي أقيمت لهم, رفضت الاتفاقية المبرمة، لأنها لم تر فيها ما يشير إلى التزام الحكومة السودانية بنزع أسلحة الميليشيات المدعومة حكومياً, والمسؤولة عن ارتكاب معظم الجرائم والفظائع التي شهدها الإقليم. وفي الوقت ذاته لا تثق غالبية النازحين بالجهود والمساعي المتكررة التي بذلتها قوات حفظ السلام الإفريقية لحماية المدنيين من تلك الهجمات, استناداً إلى تكرار فشل تلك المساعي والجهود. لذا كان على الرئيس بوش أن يؤكد لمناوي خلال اللقاء الذي جمعهما يوم الثلاثاء الماضي, أن في اتفاقية السلام المبرمة فرصة لتحقيق السلام للإقليم كله, وليس لتعزيز موقف حركته المتمردة فحسب، الأمر الذي يتطلب من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها بذل المزيد من الجهود لتعزيز مسيرة السلام في الإقليم, وذلك باستبدال قوة حفظ السلام الأفريقية الحالية, البالغ قوامها 7 آلاف جندي, بقوة دولية أكبر حجماً وأعلى كفاءة عسكرية منها. وعلى رغم الرغبة المشتركة بين كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في نقل مهمة حفظ السلام الحالية في الإقليم إلى قوة دولية أكبر تابعة للأمم المتحدة بحلول العام المقبل, فإن حكومة الخرطوم هي التي تقف حجر عثرة أمام خطوة مهمة كهذه. يذكر أن مسؤولين أميركيين وممثلين للاتحادين الأوروبي والأفريقي كانوا قد التقوا بوزير الخارجية السوداني في بلجيكا الأسبوع الماضي, بغية كسر معارضة الحكومة السودانية لهذا الانتقال. وعلى رغم تصريحات المسؤولين الغربيين حول أن تقدماً قد أحرز في تغيير هذا الموقف, لم تلح بعد أي بادرة اتفاق واضح مع الحكومة السودانية بشأنه. هذا وربما تذعن حكومة الخرطوم لوجود قوات دولية في حدود أراضيها نهاية المطاف, في حال منح هذه القوات تفويضاً محدوداً وضعيفاً للقيام بمهمتها. وعلى أية حال, فلعله من المفيد لكسر الجمود الحادث الآن في المفاوضات هذه, مشاركة الصين فيها, باعتبار أن الصين هي الشريك التجاري الأكبر للسودان. وفوق هذا كله, ومن أجل ضمان تنفيذ هذه الاتفاقية وإنجاحها, فإنه لا بد للرئيس بوش من تعزيز دور بلاده فيها, وذلك بتعيينه مبعوثاً خاصاً للسودان, بغرض متابعة تنفيذها ورفع تقاريره عن ذلك مباشرة إليه. وقد نجح الرئيس بوش في هذا من قبل, بتعيينه للسيناتور السابق "دان فورث", الذي كللت وساطته بتوقيع اتفاقية السلام بين حكومة الخرطوم والجيش الشعبي لتحرير السودان, مع العلم أنها الاتفاقية التي وضعت حداً لحرب أهلية دامت لواحد وعشرين عاماً. ــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"