لقد مرت بضعة أسابيع سيئة من المواجهات الإسرائيلية- اللبنانية الشرسة, ومن تصاعد موجة العنف والدمار في العراق. وبما أن ذلك هو واقع الحال, فما ضرّ لو أننا مضينا هنا في رحلة قصيرة مع بعض الخيال الهروبي؟ إن وافقتموني الفكرة وتحمستم لها, فلنتخيل، مجرد خيال ولبضع دقائق فحسب, أن لنا رئيساً على قدر أكبر من الجدية والعزم على جعل عالمنا أكثر أمناً وسلاماً لأحفادنا وأحفاد أحفادنا. ثم نمضي بعد ذلك إلى تخيل الدروس التي يمكن لهذا الرئيس الافتراضي تعلمها من المآسي والأخطاء الفادحة التي ارتكبت خلال السنوات الخمس الماضية. ومما لا ريب فيه أن أول تلك الدروس الواجب تعلمها, هو أنه رغم توفر مكان وزمان ما لوجود القوة العسكرية, فإن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يقدم ضمانة كافية للفوز بالحرب. فالشاهد أن الضعيف لن يكف مطلقاً عن البحث والعثور على وسائل مبتكرة ليخوض بها حربه على القوي. ولنذكر هنا أننا لم نفز بحرب الاستقلال التي خضناها قبل أزيد من قرنين, إلا لمكرنا ودهائنا في خوض تلك الحرب, في جانب من جوانب تفسيرنا للنصر الذي حققناه. حينها كان قد ارتدى جنودنا غير المدربين بما يكفي زيهم العسكري الباهت الخادع, والتفوا حول الغابات وشقوا طريقهم بين أشجارها الكثيفة, حيث كان يجلس الجنود البريطانيون في غفلة تامة عنا, وهم يرتدون أزياءهم الحمراء الفاقعة الجميلة, فتمكنا منهم برغم فقرنا ونقص تدريبنا واستعدادنا العسكري. ولا فرق بين حربنا الدائرة اليوم وتلك التي خضناها بالأمس البعيد, عدا عن أن كل التكنولوجيا والأسلحة الحربية المتوفرة في كلا الجانبين قاتلة ومدمرة. وبفضل هذا التقدم التكنولوجي, فقد أصبح في وسع أي قاصر يتمتع بمهارات تكنولوجية معقولة, تصنيع قنبلة منزلية, مستعيناً بالإرشادات التي توفرها له شبكة الإنترنت, في حين يستطيع الأطفال الأكثر مهارة, تحويل أعمدة لمبات الإضاءة إلى منصة فاعلة لإطلاق الصواريخ رغم بدائيتها. وكما شهدنا في مواجهات العراق, فقد تأكد لنا مجدداً أن التفوق التكنولوجي الحربي لا يوفر ضمانة للفوز بحرب ضد عدو لا تفل التكنولوجيا عزمه الديني أو الوطني ولا رغبته في الثأر والانتقام. ومثلما هو حال المواجهة في العراق, فإن رؤوس الجنود الإسرائيليين ترتطم بذات الصخر الذي ترتطم به رؤوس جنودنا في العراق. أما الدرس الثاني الذي يمكن تعلمه, فهو السعي إلى نزع الدوافع التي تحرك عدوك إلى مواجهتك في حال عجزت عن هزيمته وسحقه عسكرياً. وقد دلت التجربة أن عنف وشراسة النهج العسكري في التعامل مع العدو, لم تزيدانه طوال السنوات الأخيرة إلا عزماً وبأساً في مواجهتنا وقتالنا. لذلك وجب علينا تغيير هذا النهج. ثم هل نحن جادون حقاً في طموحنا لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط, ووضع حد للهجمات الإرهابية؟ ألا ما أبعد تحقيق ذلك تحت أفضل الظروف والأحوال! ولكن كم يبدو تحقيقها مستحيلاً بصفة خاصة, حين نرفض الأخذ بجدية التظلمات التي يرفعها الآخر هناك, بكل ما فيها من مشروعية وعدالة. وإن أردنا اختيار أقصر الطرق لنزع فتيل الأزمة الشرق أوسطية, فما علينا إلا الاستجابة لتلك التظلمات واستئصالها من جذورها. بذلك نصل إلى الدرس الثالث الذي نلخصه في كون الحلول الجزئية الناقصة أفضل من عدمها في كل الأحوال. فعلى سبيل المثال كان من رأي كوندوليزا رايس أن الوقف الفوري لإطلاق النار في لبنان, سوف يكون حلاً سابقاً لأوانه, لكونه لا يستأصل أسباب النزاع من جذورها. ورغم "حلاوة" حديث رايس عن الجذور, فإن الوقف الفوري لإطلاق النار, يبدو واجباً حين تتناثر أشلاء وأطراف المدنيين والإسرائيليين في الهواء من أثر القصف والصواريخ المنهمرة عليهم! ويترتب على هذا مباشرة الدرس الرابع والأخير: فإذا ما تطلعنا إلى مستقبل أكثر أمناً وأبعد مدى واستقراراً, فعلينا أن نولي اهتماماً جدياً لـ"جذور" النزاع وأسبابه, أكثر من مجرد حلو الكلام ومعسوله عنها. ويتطلب ذلك استثمار مزيد من الأموال ورأس المال السياسي في نشر السلام والازدهار الاقتصادي لشعوب العالم وأممه. والمقصود بهذا أن نعزز شعورنا بأننا جزء لا يتجزأ من هذا العالم, وأننا نواجه مع بقية الأمم والشعوب مصيره ومآلاته أياً كانت. ولا سبيل إلى هذا إلا بمواجهتنا للوجه المظلم من العولمة, أي تلك القوى ذات المصلحة في انتشار الفقر والقهر والإرهاب واشتعال النزاعات. ولكي نكون أكثر دقة, فإن على الولايات المتحدة أن تتبنى سياسات خارجية مغايرة كلياً لسياساتها الراهنة, بحيث تتجه إلى زيادة دورها في العون الخارجي, وفي التخفيف من وطأة الكوارث, ومنع وقوع النزاعات, وفي التدخلات الإنسانية وفي مهام حفظ السلام وإعادة بناء الأمم, وفي التصدي لمهام التنمية والرعاية الصحية والتحديات البيئية, فضلاً عن رفع دورها في نشر الديمقراطية وسيادة حكم القانون. وفوق هذا وقبله, العودة لالتزامنا التام بمؤسسات المجتمع الدولي وقيم الجماعية الدولية التي ركلناها وتمردنا عليها مؤخراً. فهل تعلم هذه الدروس ليس إلا ضرباً من ضروب الخيال والأحلام, وأن عليّ العودة إلى عالمنا الواقعي الذي يبدو فيه تعلم كهذا من ضروب العدم والمستحيل؟! لنذكر هنا حقيقة قيادتنا لإعادة بناء العالم بأسره, في أعقاب الدمار الهائل الذي خلفته الحرب العالمية الثانية.