لم يعد مهماً الآن أن يتساءل المرء: هل كان "حزب الله" يتوقع ردة الفعل القاسية الوحشية هذه، وهذا التدمير، أم لا، من آلة الحرب الإسرائيلية، عندما قام بأسر الجنديين الإسرائيليين يوم 12/7/2006؟ لأن الحرب قد اشتعلت، ومبانٍ وجسور كثيرة في لبنان دمرت، وقتل من قتل، وشُرد من شرد. اصطدام المملكة العربية السعودية ومصر بخطوة "حزب الله" في لبنان، كان متوقعاً إلى حد ما، لأسباب ربما تتعلق بنفور هذا الحزب من الأنظمة العربية منذ سنوات تأسيسه 1982 وما بعدها. فالوثيقة الرئيسية للحزب تدين "أنظمة الانهزام العربي"، الذين، كما جاء في الوثيقة، "لا يخجلون من الاعتماد على خبراء أجانب يُعيّنونهم في مناصب عليا"، و"يدّعي بعضهم أنه حامي الشريعة الإسلامية... ليبرر استسلامه". وتدين الوثيقة الرئيس العراقي "صدام العميل"، الذي كان يقود آنذاك حربه الدموية على إيران، وتدين كذلك "سياسة الانهزام... ومحور الأردن ومصر والعراق والمنظمة العرفاتية". وتهاجم الوثيقة "الدور المشبوه للقوات الدولية" التي يسعى الاستكبار العالمي لإحلالها على أراضي المسلمين، بحيث تشكل حاجزاً أمنياً يعرقل تحرك المقاومة ويحفظ أمن إسرائيل". وطالب الحزب منذ البداية بإزالة إسرائيل من الوجود، وهاجم أي اتفاق لوقف إطلاق النار، وأدان كل مشاريع الوساطة مع إسرائيل وكل الوسطاء، "لأن وساطتهم لن تخدم إلا الإقرار بشرعية الاحتلال الصهيوني لفلسطين". ولهذا رفض الحزب معاهدة كامب ديفيد ومشاريع فاس والملك فهد وريغان وبريجنيف وكذلك مبدأ "الأرض مقابل السلام". (حزب الله، د. غسان عربي، 1998، ص 27-28). كراهية "حزب الله" وعداؤه لحكومات مصر ودول الخليج إذن كانت مولودة مع الحزب لأسباب أيديولوجية، ولأنه، أي الحزب، تبنى مواقف وتحليلات الثورة الإيرانية والفصائل الفلسطينية التي كانت تعادي عرفات و"منظمة التحرير"، وهي نفسها الفصائل والجماعات التي لعبت دوراً بارزاً في تطوير قوة "حزب الله" ومن قبله "حركة أمل" في لبنان. أما بالنسبة لموقف الحزب من نظام صدام حسين، فبالرغم من الحرب الطاحنة التي خاضها هذا النظام ضد إيران، وما فعله بالشيعة وقياداتهم، فإن "حزب الله" لم يرحب على الإطلاق بالحرب التي شنت عام 2003 لإسقاطه، بالطبع لدوافع وضغوطات معروفة مفهومة! أزمة يوليو 2006 في لبنان ستكون بلا شك نقطة تحول وعلامة مميزة في تاريخ "حزب الله"، وستترتب على نتائجها ومصائرها حقائق جديدة. لقد تمكن "الحزب" حتى الآن من تحطيم جانب مهم من أسطورة القوة العسكرية لإسرائيل. فالدولة العبرية وبخاصة مدنها الشمالية، لا تكاد تعرف كيف تتصرف مع الصواريخ المنهمرة، وهو شيء لم يحدث فيها منذ عام 1948 على نطاق واسع كهذا. واستطاع "حزب الله" كذلك، أن يقلب الجو الطائفي التكفيري ضد الشيعة رأساً على عقب، ويحاصر بعض أبشع إفرازات الجماعات الإرهابية في العراق. وقد روجت هذه الأوساط السلفية التكفيرية لبعض الوقت اتهاماً لـ"حزب الله" بأنه في الواقع "حارس لأمن واستقرار مناطق إسرائيل الشمالية"، وهاجم تنظيم "القاعدة"، "حزب الله"، وكذلك فعل فقيد عالم الإرهاب.. أبومصعب الزرقاوي! ولا أحد يعلم كيف ستخرج "القاعدة" اليوم وهذه الجماعات، من المأزق الذي وضعت نفسها فيه. فلا هي قادرة على تأييد "حزب الله"، ولا الإشادة بالموقف السعودي، ولا بالدعوة إلى وقف الاقتتال، ولا انتقاد "حزب الله" لأنه أقدم على "مغامرة عسكرية"، فما كانت "غزوة مانهاتن" يوم 11 سبتمبر 2001 إذن؟ انتصار "حزب الله" أو هزيمته في هذه الأزمة مشكلة في الحالتين! فمثل هذا الانتصار سيسحب بساط الثقة من تحت أرجل الحكومات العربية، وبخاصة دول الجوار والدول التي عارضت وانتقدت خطوة الحزب. ولا يجد الكثيرون بأساً في هذا لما تعاني هذه الأنظمة والحكومات من ضعف. غير أن المؤسف أن البديل في المنطقة اليوم، قوى أعجز من هذه الأنظمة على الصعيد التنموي، وأشد منها عداء للتقدم الاجتماعي وإقامة الديمقراطية والتحديث. وستحقق القوى الإيرانية "المحافظة" المهيمنة نجاحاً إقليمياً ودولياً ساحقاً، ويخسر اللبنانيون كل أو جل مكاسب حركتهم الاستقلالية والتحررية التي جنوها بعد اغتيال رفيق الحريري! هذا ربما، إن حقق "حزب الله" أهدافه بشكل كامل، ولكن ماذا إن خسر؟ ستكون آثار الخسارة شديدة على الحزب، وبخاصة إذا تم إبعاده عن الحدود الجنوبية للبنان، وحلت محله قوى دولية مؤثرة. وربما أدى تراجع الحزب إلى المزيد من العزلة الطائفية في لبنان للشيعة، وحدوث تحولات في الحزب وفي الحياة السياسية والبرلمانية. كما أن نجاح إسرائيل قد يفسح المجال بشكل أقوى للجناح المتشدد والقوى الدينية. وإذا كان رهان السيد حسن نصرالله، كما جاء في خطابه، أن "الأصدقاء" سيساهمون في إعادة تعمير لبنان، فإن اندفاعهم لانجاز هذا الهدف والإنفاق بسخاء على تعمير لبنان قد يكون محدوداً حسب نتائج الحرب. وقد يعود الوضع جوهرياً إلى ما كان عليه، إذا فشلت الحلول الدولية، واستعاد "حزب الله" نفوذه، وطرحت حلول مترددة متعثرة، فستكون لبنان على موعد مع أزمة أخرى قد تكون أشد وأدهى. لقد هزت هذه الأزمة وما رافقتها من أحداث وخسائر ومفاجآت لبنان وإسرائيل على حد سواء، وظهر للمجتمع الدولي بوضوح، حاجة المنطقة الماسة إلى الحلول العادلة والدائمة لمشاكلها. ولكن من سيشرف على مثل هذه الحلول؟ ومن سيتقدم بها؟ ومن سيحميها من التلاعب السياسي وصراع المصالح؟ وهل ستسمح الدول التي تساند "حزب الله" على استتباب مثل هذه الحلول الدولية، التي كما رأينا، يعاديها "حزب الله" أشد العداء؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة بالذات أن تتخذ موقفاً حازماً من إسرائيل، وتدرس بعناية مشاكل الفلسطينيين وحقوقهم، وتخرج بالمنطقة برمتها من الأزمة الحالية والأزمات القادمة؟ أم أن ما سنراه من حلول إنما هو ما تسمح به على الأرجح طبيعة الظروف والتوازنات السياسية في الولايات المتحدة والمنطقة العربية؟ الجدل قد يطول، ومعه عذاب الشعب اللبناني الذي حاصرته كارثة كبرى ربما تنذر بالمزيد! فصور الخراب التي عرضت تذكر المرء بالحرب العالمية الثانية، وبمدينة "جروسني" في الشيشان. ولا أحد يدري كيف سيتعايش اللبنانيون مع هذه الحقائق والمآزق والمشاكل خلال المرحلة القادمة، وبخاصة إذا تذكرنا ما على الدولة اللبنانية من ديون، وما يكلف تسديدها من آلام. وقد يتحمس العالم العربي واللبنانيون في المهجر وغيرهم لتعمير لبنان، ولكن هذا الاندفاع يعتمد في رأيي، على مدى نجاح الحلول المقدمة للأزمة ومدى قوتها وواقعيتها ومراعاتها لمصالح مختلف الأطراف. وقد تكون إعادة التعمير مضمونة بهذا الشكل أو ذاك، بسبب التنافس بين تمويل "حزب الله" وأصدقائه والدول الأخرى كما تنبأ أمين الحزب حسن نصرالله، ولكن "لبنان الاستثمارية" تلقت ضربة شديدة نتمنى ألا تبقى آثارها لسنوات طويلة قادمة!