كنا صغاراً حين قام مشعل بشج رأس عبدالله، الاثنان كانا ابني جيران يلعبان في الحارة، مشعل طفل شقي جداً، وكان يتسبب- دونما قصد غالباً- في إيذاء الآخرين، ألقى بزجاجة غازية بعدما شربها في الهواء عالياً، فسقطت على رأس عبدالله وأحدثت به جرحاً سبب له نزيفاً هائلاً، فتوجه صارخاً إلى أبيه والدماء تصب منه، كان أبوه جالساً مع أبي مشعل جاره، والاثنان أصدقاء، وكلاهما يعتبر الآخر ابنه. كان عبدالله يصيح شاكياً مشعل، وأبوه يحاول أن يهدئ من روعه ويوقف النزيف ويبحث عن الأعذار لابن جاره حالفاً بالله لأبيه بألا يتعرض لمشعل بسوء، كان أبو عبدالله يردد: "ما عرفك، يا ولدي، صدقني ما هو متعمد لأنه ما عرفك"، وعبدالله يستشيط غيضاً من هذا العذر: "والله يعرفني زين ومتعمد" أي أن مشعل يعرفني تمام المعرفة وتعمد أن يلقي عليّ الزجاجة. مركز مراقبة الأمم المتحدة الذي قصفته إسرائيل يوم الأربعاء الماضي كان على مرمى البصر منها طيلة ثلاثين عاماً داخل الحدود اللبنانية، وعليه أعلام الأمم المتحدة، وإشاراتها وسياراتها، وتناثرت القذائف والقنابل الإسرائيلية من حوله، طيلة العدوان على لبنان، واقتربت أكثر فأكثر حتى وصلت مرمى حجر منه، واتصل المراقبون الدوليون بالقادة الإسرائيليين يحذرون ويستصرخون ويستنجدون عشر المرات، وفي كل مرة يؤكد لهم الإسرائيليون بأنهم في أمان، إلى أن أطلقوا عليهم صاروخاً "ذكيا" دقيقاً فأصابهم وقتل منهم أربعة مراقبين. السيد كوفي عنان- أمين عام الأمم المتحدة- سارع إلى التعزية بقتل المراقبين وباستنكار الحادث المأساوي، وقال بأن القصف "يبدو أنه متعمد"، بل وصحح لوسائل الإعلام التي نقلت عنه أن الحادث "متعمدا"، فقال بأن تصريحه يحوي كلمة "يبدو متعمدا"، ولم يقل كلمة متعمدا "حافة"... تذكرت قصة عبدالله ومشعل. بدوره لا يزال السيد يان أجلان- مندوب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بلبنان- يردد بأن إسرائيل تقصف عشوائياً وتقتل المدنيين العزل والأطفال وتهدم البنى التحتية بلبنان وتتسبب بمآس إنسانية للشعب اللبناني، وبسؤاله عن اعتبار ما تقوم به إسرائيل جرائم حرب، أجاب بأن ما تقوم به إسرائيل هو "خرق للقانون الدولي، ولم يتفوه بكلمة "جرائم حرب". كوفي عنان والأمم المتحدة أثبتا جميعاً عجزاً عن إدانة ما تقوم به إسرائيل، مما يذكر بأن عنان أدان اختطاف الجنديين الإسرائيليين من قبل "حزب الله" و"دون تحفظ" (هكذا). لا تزال كونداليزا رايس تعترض على كل الدعوات الدولية- حتى كتابة هذا المقال- بوقف فوري لإطلاق النار ووقف الهجوم الإسرائيلي الذي يعتبر "خرقاً للقانون الدولي"- وفق ما أسماه المندوب الأممي. "حزب الله" يعتبر نفسه منتصراً باستمرار العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان دون هوادة، وإسرائيل لم يعد لديها من "بنك الأهداف" سوى المخزون الإنساني، فاستهدفت المدنيين وشاحنات الإغاثة وقوافل النازحين، فلم تجد هدفاً سوى مركز المراقبة الدولية المعزول من السلاح، ولعلها تحاول إيصال رسالة: المراقبة الدولية التي "زي قلتها" غير مقبولة وغير مجدية في وقف صواريخ "حزب الله"، وبالتالي على المجتمع الدولي- وتحديداً حلف "شمال الأطلسي"- المشاركة في حماية إسرائيل من هذه الصواريخ. يستمر العدوان، وتزداد شعبية "حزب الله" وحسن نصر الله، ولعل آخر المؤيدين له هو أيمن الظواهري الذي ركب الموجة وبادر بالتضامن معه برسالة بثتها القنوات الفضائية، ثم تتساءل أميركا عن سبب العداء الذي تكنه لها شعوب المنطقة التي تراكم لديها القهر واليأس والإفلاس، حتى رأت في بن لادن بطلاً، ومن قبله صدام حسين، وأخيراً وليس آخراً- السيد حسن نصر الله.