قد تكون منطقة الشرق الأوسط أكثر منطقة في العالم سالت فيها الدماء، وذرفت فيها الدموع، وارتفعت منها الصلوات.. وهي لم تزل على هذه الحال حتى اليوم. ذلك أن هذه المنطقة هي التي اختارها الله لتكون مهبط وحيه، اليهودية والمسيحية والإسلام، وهي المنطقة التي صنع فيها الإنسان أولى حضاراته: البابلية والأشورية والفرعونية والفينيقية، وهي المنطقة التي تفجرت فيها المذاهب والعقائد والمدارس الفكرية التي لا تزال تشكل عناصر الهوية الذاتية لمجموعاتها السكانية ذات الأعراق والأجناس المختلفة والتي ترسم معالم شخصيتها، وحتى نرجسيتها. ولذلك فإن هذه المنطقة هي دون غيرها من مناطق العالم ، يلعب التاريخ دوراً أساسياً، بل لعله يلعب الدور الأكبر في صناعة مستقبلها. وعندما تعلن الولايات المتحدة (كما حدث مراراً، سواء على لسان رئيسها جورج بوش أو على ألسنة العديد من كبار مسؤولي إدارته ، وكانت آخرهم وزيرة الخارجية كونداليزا رايس) ، إنها بصدد صناعة "شرق أوسط جديد"، فإن العمل على تنفيذ هذا الإعلان يصطدم بأمرين أساسيين: أولهما هو جهل الولايات المتحدة أو على الأقل عدم إلمامها بهذه الخلفية المركبة والبالغة التعقيد القائمة في الشرق الأوسط . فالمنطقة أشبه ما تكون بصندوق "باندورا" الأسطوري الذي يغرّك فتحه، ولكن ما أن تفعل ذلك حتى تتدفق المفاجآت المرعبة.. ومن ثم الأشد إرعاباً. أما الأمر الثاني فهو أن الولايات المتحدة قامت في الأساس على مبدأ الاستيطان. أي أن يحلّ شعب محل شعب آخر. ففي شهر نوفمبر من عام 1620 رست السفينة ماي فلاور في مرفأ صغير في بلايموث بولاية ماسوشوست (على الشاطئ الشرقي). كانت السفينة تحمل نحو 100 شخص من المهاجرين من بريطانيا. أما الآن -واستناداً إلى دراسة إحصائية نشرت في كتاب جديد للمؤرخ الأميركي نثانيل فيلبريك عنوانه "ماي فلاور: قصة الشجاعة والحرب"- فإن ثمة 35 مليون أميركي يتحدرون من أصلاب هؤلاء. ويروي الكتاب كيف أن حرباً واحدة تعرف باسم حرب "الملك فيليب" (1675-1676) أدت إلى إبادة مجموعات كبيرة من الهنود الحمر الذين قضوا قتلاً أو تجويعاً أو نتيجة إصاباتهم في المعارك مع المستوطنين... وكيف تمّ أسر أكثر من ألف منهم، ثم شحنوا بالسفن للعمل عبيداً في جزر الهند الغربية وأفريقيا.. إن قراءة متأنية لوقائع تلك المرحلة توحي بإجراء مقارنة بين ما قام به المستوطنون البيض والهنود الحمر، وما يجري بين المستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين... وهي مقارنة تلقي الضوء على أبعاد التفهم والتعاطف الأميركيين لما تعتبره الولايات المتحدة "مستلزمات وجود إسرائيل وحقها في الدفاع عن النفس". وعندما أسرت حركة "حماس" الجندي الاسرائيلي لمقايضته بالآلاف من الأسرى الفلسطينيين المعتقلين في إسرائيل، تصرفت إسرائيل في ضوء تلك العملية تماماً، كما تصرف ميلزستا نديش القائد العسكري للمستوطنين الذين جاؤوا على متن السفينة ماي فلاور. كانت الخطة آنذاك، كما هي اليوم، التضييق على الهنود الحمر، وعزلهم وحصرهم في مناطق ضيقة وحرمانهم من الوصول إلى مزارعهم التي تشكل مصدر غذائهم. ومن ثم تجويعهم لحملهم على التخلي عن أراضيهم. وهذا ما فعلته وتفعله اسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهو ما فعلته قبل ذلك في فلسطين 1948. وهكذا فمنطقة دارتموث مثلاً التي تشكل اليوم واحدة من المناطق المزدهرة والكثيفة السكان في شرق الولايات المتحدة، اضطر سكانها من الهنود الحمر "لبيعها" بالإكراه. وكان الثمن: 30 ياردة من القماش، 8 جلود لحيوان الأيل (غزال)، 15 فأساً، 15 رفشا (مجرفة)، 15 زوجاً من الأحذية، طنجرة نحاسية واحدة، عشرة شلنات. طبعاً لا تحتاج إسرائيل إلى البحث عن قدوة لها في أميركا لتبرير سياستها الاستيطانية التوسعية. ولكنها تحتاج إلى توظيف الثقافة التي قامت عليها الولايات المتحدة لتشكيل مظلة واقية تردّ عنها ردود الفعل الإنسانية التي تصدر عن جهات أميركية كنسية ومدنية مختلفة. وكما يقول المفكر اللبناني المطران جورج خضر (مطران جبل لبنان للروم الأرثوذكس): "لا يذهلني أن تتصرف إسرائيل (في لبنان) كما تصرفت، فهذا في آداب آبائها الذين أمروا بإبادة الكنعانيين، أي نحن. هذا قديم وسابق للنصوص التأسيسية للصهيونية التي تقيم دولة يهودية لا تختلط أساساً بالعناصر الأخرى. هذا موقف إقصائي في تأسيس الدول المعاصرة". وعندما عقدت "القمة الإسلامية" في لبنان لقاءها في الاسبوع الماضي بدار الفتوى في بيروت -والتي ضمّت رئيسيْ مجلس النواب والحكومة ومفتي لبنان ورئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى- لاحظت القمة بقلق ظاهرة التكامل المتزامن بين العدوان الإسرائيلي على الشعب اللبناني والعدوان الإسرائيلي المماثل على الشعب الفلسطيني، حيث "تعمل الآلة العسكرية الإسرائيلية على قتل الأبرياء وتدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها وعلى ترويع الأبرياء واعتقال الوزراء والنواب دون أن تراعي للقانون الدولي حرمة، ودون أن تتعرض بسبب كل هذه الانتهاكات إلى المساءلة والمحاسبة الدوليتين". في فلسطين لم تتوقف إسرائيل عن محاولاتها المتكررة والمتعددة الأشكال لضرب العلاقات الإسلامية- المسيحية ولاقتلاع هذه العلاقات من جذورها. وفي لبنان حاولت مراراً، وهي تقوم الآن بمحاولة جديدة لتفجير فتنة مذهبية بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة على غرار ما حدث في العراق مع الأسف الشديد. والمحاولتان هدفهما واحد، وهو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على قاعدة أن يكون لكل جماعة عرقية ودينية ومذهبية كيان خاص بها، بحيث يؤدي التضارب بين هذه الكيانات وتصارعها إلى توفير الأمن الاستراتيجي لإسرائيل. وقد ولد هذا التصور للمنطقة مع ولادة إسرائيل نفسها. وجرت أول محاولة لتنفيذه في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، كما تكشف عن ذلك الرسائل المتبادلة بين بن غوريون رئيس أول حكومة إسرائيلية وموشي شاريت (وزير خارجيته)، ثم تبلورت هذه المحاولة في مشروع متكامل أعدّه في نهاية السبعينيات المفكر اليهودي -البريطاني الأصل- برنارد لويس ونشرته النشرة المتخصصة التي تصدر عن وزارة الدفاع الاميركية- البنتاجون "American Strategic Survey" ثم تبنّته إسرائيل رسمياً تحت عنوان "استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات" ضمن دراسة نشرتها مجلة "أيفونيم للدراسات الاستراتيجية" في عام 1979. لقد جرت مبادرات عديدة لتنفيذ هذا المشروع للشرق الأوسط انطلاقاً من جنوب السودان، ومن شمال العراق، ثم من لبنان.. والآن يبدو أن خطوات التنفيذ تمضي قدماً في العراق... وإذا ما استتب الأمر لهذا المشروع فلن تنجو من شروره وأخطاره أي دولة، من باكستان حتى المغرب. من أجل ذلك حذر المطران جورج خضر العرب كلهم من أنه إذا انتصرت إسرائيل علينا فستجعلهم إذ ذاك كلهم عبيداً لها. ويقول: "لم تفهم الدول العربية أن السلام الذي يسود المنطقة لن يكون السلام الأميركي ولكن السلام الإسرائيلي. لم تفهم أميركا أن إسرائيل هي التي تستخدمها وأن إسرائيل في أعماقها السيكولوجية لا حليف لها رغم الحلف الاستراتيجي الذي يربطها بالولايات المتحدة. هذا حلف حقوقي وليس حلفاً نفسياً. وأتمنى لو أدرك المسيحيون في العالم أن التفوق اليهودي الذي يحمله النصر الإسرائيلي خطر عليهم بالدرجة الأولى، لأن الصراع الحقيقي على مستوى العقيدة الدينية هو بين الكنيسة واليهودية واسترخاء مسيحيي الغرب إزاء اليهودية واليهود الساطع في اللاهوت الغربي منذ تسعين سنة وما كنا هنا ضحاياه في أية كنيسة شرقية، أرثوذكسية كانت أم غير أرثوذكسية، قد يطاولنا لنقع في بدعة المسيحية المتهودة. إن ما وراء الغطرسة الإسرائيلية غطرسة يهودية واضحة تكره المسيح شخصياً وتكره بخاصة بولس الرسول الذي نقض اليهودية. هذا كله موجود في الآداب اليهودية ولكن من يقرأ؟". إن الجواب على هذا السؤال هو مع الأسف: لا أحد يقرأ. وإن من يقرأ لا يصدق. وإن من يصدق لا يستطيع أن يفعل شيئاً.