كانت بيروت قبلة للمثقفين وأهل الرأي من العرب، وكانت مركزا ثقافيا وتجاريا وسياحيا مزدهراً، وكانت بمقاهيها وساحاتها ومنتدياتها، في أواسط القرن الماضي، ملتقى لجيل من المفكرين الثوريين العرب الطامحين إلى إحداث تغييرات كبرى في أوضاع الداخل العربي وعلاقاته الخارجية، ومن ثم كانت الحاضن لأهم الأفكار السياسية والإبداعات الفكرية والأدبية التي عرفتها حياتنا العربية المعاصرة. بعد ذلك عاشت بيروت ردحاً من الزمن في ظل الحرب الأهلية الطاحنة، وذوت كثير من أفكار المرحلة السابقة، ثم لم يلبث العرب أن دخلوا عصرا أميركيا بامتياز، فغدت بيروت التي استعادت جمال سحنتها، تعني بالنسبة لغالبية الجيل الجديد مركز جذب سياحي ومصيفا رائقا أكثر من أي شيء آخر! هذه هي بيروت التي تذوب اليوم وتحترق وتتهدم تحت غارات الطيران الحربي الإسرائيلي، وقل من تعني لهم أكثر من محطة عبور أو مصيف أو مدينة ثانوية! ورغم أن الحرب الأهلية كانت اختباراً لبنانيا داخليا بالأساس، فإن كثيرين من الجيل الأول فضلوا العيش بين سكانها على الماء والخبز وعند تقاطع النيران، أما جيلنا فليس له حسابات خارج حياته المرفهة وأحلامه التي قدت من الورد، وجاء إلى بيروت جرياً وراءها، وها هو يترك المدينةَ والدخان وراءَه! ثامر أيوب- عمّان