قلنا في المقال السابق، إن الوقت قد حان لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس جديدة وتمثيل جميع القوى الفلسطينية فيها (خاصة وأن الحركات الإسلامية ذات الثقل العسكري والسياسي الكبيرين) لا تزال غير ممثلة فيها. لقد مضى على تأسيس المنظمة نيف وأربعون عاماً. وخلال هذه الفترة، طرأت تطورات كثيرة وجوهرية، محلية وإقليمية ودولية، على القضية الفلسطينية، الأمر الذي يجعل إعادة بناء هياكل المنظمة وإعادة تحديد منطلقاتها وأهدافها عملية بالغة الأهمية. فقد اختلفت الاجتهادات حول كيفية إعادة بناء المنظمة وتحديد أهدافها الجديدة. وتعتبر اتفاقيات "أوسلو" الموقعة في عام 1993 بداية الانقسام داخل المنظمة، حيث أن هذه الاتفاقيات لم تحظ بإجماع فلسطيني حولها. ومنذ ذلك التاريخ، تجمدت آليات المنظمة ولم تتطور. وقد أدت "أوسلو" إلى تغيير جوهري في التحالفات السياسية بين الفصائل، فبعضها كان يعلق عضويته احتجاجاً، وفصائل أخرى كانت تدخل "المنظمة"، لكن كل ذلك لم يمس بشرعيتها من قبل كل الأطراف. ومع وصول مسيرة أوسلو إلى طريق مسدود مع انتهاء الفترة الزمنية المحددة لمرحلتها الانتقالية، أصبح واضحاً أنه لا يمكن أن تقود تلك "المسيرة" إلى سلام دائم. وتقول "الجبهة الديمقراطية" في رؤياها حول إعادة بناء منظمة التحرير: "إن الحاجة الآن ماسة لإيجاد صيغة تجمع بين التمسك بالثوابت الوطنية وحمايتها وبين الواقعية التي تأخذ حقائق الوضع الإقليمي والدولي الراهنة لتشق سبل التأثير فيها، لا الاكتفاء بالاحتجاج عليها". وفي سبيل ذلك، تقترح "الجبهة" ما يلي: "1- التوافق على قواسم سياسية مشتركة لقطع الطريق على محاولات أولمرت تأمين غطاء دولي لخطته التوسعية أحادية الجانب. 2- صياغة خطة كفاحية موحدة تضمن تناسق الأداء النضالي والسياسي بما في ذلك التفاوض على أساس التمسك بخيار المقاومة والمواجهة الشعبية مع الاحتلال. 3- تشكيل حكومة ائتلاف وطني تشارك فيها كافة القوى الفاعلة على أساس برنامج مشترك. 4- تفعيل وتطوير مؤسسات م.ت.ف. وتطبيق إعلان القاهرة بهذا الشأن وهذا يتطلب: أ- الدعوة الفورية لانعقاد اللجنة العليا المشكلة من رئيس وأعضاء اللجنة التنفيذية ورئيس المجلس الوطني والأمناء العامين للفصائل، ب- إيجاد صيغة مؤقتة تضمن مشاركة جميع القوى الفلسطينية بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي في أعمال الهيئات القيادية لمنظمة التحرير، ج- تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الجديد بالانتخاب الديمقراطي وفق نظام التمثيل النسبي، د- تفعيل سائر دوائر المنظمة وإحياء الصندوق القومي وفصله عن خزينة السلطة، هـ- العمل على توحيد النقابات والاتحادات الشعبية وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية بانتخابات تعتمد مبدأ التمثيل النسبي". من جهتها، تطالب "الجبهة الشعبية"، وتشاركها في ذلك كافة الفصائل، "بتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية تعددية جماعية بشراكة سياسية وتمثيل حقيقي لقوى شعبنا الفلسطيني". ولتحقيق ذلك، تقترح الجبهة الاتفاق على برامج القواسم المشتركة والخطة والآليات والمواعيد التي تنتهي بعقد المجلس الوطني الجديد، ويدعى المجلس المركزي لمنظمة التحرير بمشاركة الجميع وتشكيل قيادة موحدة كمرجعية قيادية داخلية فلسطينية لا يلغي أو يتجاوز دور وصلاحيات الهيئات والمؤسسات القيادية والتمثيلية. وحسب رؤية "الجبهة"، يرأس القيادة الموحدة رئيس اللجنة التنفيذية لـ"م.ت.ف" رئيس السلطة، ويشارك في عضويتها كل من رئيس المجلس الوطني ورئيس المجلس التشريعي ورئيس الحكومة والأمناء العامون للفصائل، وتكون مهمة هذه القيادة إقامة العلاقات مع المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية، كما تتناول الشأن الداخلي الذي يقع ضمن دائرة السلطة. أما حركة "حماس"، فإن انتصارها الساحق في الانتخابات التشريعية الأخيرة قد فرض واقعاً جديداً. وموقف "حماس" من إصلاح المنظمة يرتكز على تفعيل إعلان القاهرة 2005 والذي يؤكد "الحفاظ على وحدة القضية الفلسطينية شعباً وأرضاً وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس". أما آليات تنفيذ هذه الرؤية فتعتمد على صياغة ميثاق وطني فلسطيني جديد ووضع إطار أو مرجعية وطنية تنظيمية للسياسات الفلسطينية تتولى "وضع برنامج سياسي يقوم على أساس الحفاظ على الحقوق الوطنية ولا يفرط بها". أما رؤية "حماس" للأسس التنظيمية لإعادة بناء المنظمة فتعتمد على اعتماد مبدأ الانتخاب الحر المباشر في اختيار أعضاء وقيادات ومؤسسات "م.ت.ف" التشريعية وإلغاء نظام الحصص والفصل التام بين مؤسسات ومواقع المسؤولية في "م.ت.ف" والسلطة وإلغاء دور الآليات الوسيطة (المجلس المركزي). أما بالنسبة للمجلس الوطني فتقترح حركة "حماس" تخفيض عدد أعضائه إلى (300) منهم (132) عضواً (الأعضاء المنتخبون في المجلس التشريعي) و(150) عضواً من الخارج و(18) من أعضاء اللجنة التنفيذية السابقين ومسؤولي الفصائل الفلسطينية. أما موقف "حركة الجهاد الإسلامي" من إعادة هيكلة "م.ت.ف" ودخول القوى الإسلامية، فيبدو أكثر تشددا: "ليس لدينا أي أوهام حول إمكانية إعادة بناء منظمة التحرير بسهولة لتصبح إطاراً يضم كافة قوى الشعب الفلسطيني وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي. إن الانضمام لمنظمة التحرير ليس عملية ميكانيكية سهلة يمكن أن تتم بجرة قلم... إنها رحلة طويلة وشاقة ومعقدة". إلا أن عملية البناء حسب منظور "حركة الجهاد" تقتضي أولا إيجاد ميثاق جديد يراعي البعد الإسلامي للقضية الفلسطينية. وتعتبر الحركة أن مقررات المجالس الوطنية السابقة "ليست إرثا مقدسا غير قابل للتجاوز أو التغيير لأنه مهما كانت درجة التزام السلطة الرسمية بها فإنها في النهاية حاصل الإرادة السياسية التي انتهجتها في حينه". وتطالب "حركة الجهاد"، كشرط لدخولها المنظمة، بتغيير البرنامج السياسي الراهن للمنظمة "ليكون بذلك ممثلاً لإرادة الشعب الفلسطيني لأن برنامجها الحالي هو برنامج تسوية". كما تطالب "حركة الجهاد" بفك الارتباط والفصل الكامل بين المنظمة والسلطة. أما حركة "فتح"، فهي تعتبر "م.ت.ف" رافعة تاريخية للقضية الفلسطينية وإطاراً موحداً لكل أنواع الطيف السياسي. لذلك، فإن حركة "فتح" تحرص على "تفعيل م.ت.ف عبر مشاركة كل القوى وتحديداً حماس والجهاد عبر إعادة تشكيل المجلس الوطني قبل نهاية عام 2006 بما يضمن تمثيل جميع القوى والفصائل والأحزاب الوطنية والإسلامية". إن جميع القوى السياسية وفصائل المقاومة، متفقة على ضرورة توسيع الحوار ضمن أولوية إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتفعيل مؤسسات "م.ت.ف" لتتمكن من تحمل المسؤوليات التاريخية الملقاة على عاتقها في ظل التحديات والاستحقاقات الراهنة. ومع أن الخلاف والاختلاف بين فصائل المقاومة الفلسطينية يجب ألا يرقى إلى خلاف حول مرجعية التمثيل وشرعيته وحول المفهوم الكياني للمنظمة، فإن المهمة ليست سهلة، بل هي صعبة، وربما صعبة جداً، مع أن الاتفاق الأخير بين الحركتين الرئيسيتين (فتح وحماس) يفتح ولو "نافذة أمل" على إمكانية حدوث المنشود.