اعتدنا على بعث شيءٍ من العزاء في نفوسنا بالحديث المستفيض عن الانقسامات في إسرائيل· والانقسامات هناك عمودية وأفقية، وتتناول الدين والإثنية وجغرافيا الشتات السابق، والتوجه السياسي، وقضايا الهوية اليهودية، وتقاسم الموارد في الكيان· وقد أُضيف إليها في الشهرين الأخيرين انقسامٌ جديدٌ نتيجة فشل شارون - بعد ثلاث سنواتٍ من التخريب والقتل- في إخماد الانتفاضة أو إخضاع الشعب الفلسطيني· هناك الآن من جهة تمرد مجموعات من الجنود والطيارين على الخدمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة· وهناك من جهةٍ ثانيةٍ آراء رؤساء سابقين للأجهزة الأمنية، وآراء رئيس أركان الحرب الحالي، والتي ترى أنه لا بد من سياسةٍ أُخرى وإلاّ ظهر عجز الجيش وقوى الأمن أمام الفلسطينيين· وهناك أخيراً مبادرة سياسيين بارزين للحديث مع الفلسطينيين وعقد اتفاقات معهم، والنقد العلني القوي لسياسات شارون العنيفة، وافتقاره إلى أي رؤيةٍ سياسية· وقد تحدَّث شارون أخيراً في مؤتمر هرتسليا عن (خطته) السياسية، والتي تتضمن التزاماً بخريطة الطريق - فإن لم يلتزم الفلسطينيون (بعد بضعة أشهر)، فسيسير هو في تصرفٍ انفرادي يتضمن تفكيكاً لبعض المستوطنات المعزولة، وضم أخرى ضمن الجدار العازل، والانسحاب من المناطق التي أعاد الجيش احتلالها في عهده، وفرض أمر واقع على الكيان الفلسطيني المنهك والممزَّق· والواقع أنّ شارون لم يحدد معنى التزامه بالخريطة، أما انتظاره بضعة أشهر فليس للصبر على الفلسطينيين؛ بل للسماح لبوش بخوض الانتخابات دونما إزعاجات· ولذلك فقد سارعت الإدارة الأميركية لتأييد الخطة المدَّعاة، التي يقال إنّ واشنطن اطّلعت عليها قبل إعلانها ·
على أنَّ الانقسام الظاهر الآن لدى الطرف الأقوى، لا ينبغي أن يحجب عن أنظارنا انقسامات الطرف الأضعف، أي الفريق الفلسطيني· والذي حدث لوزير الخارجية المصري قبل أيام عند محاولته الصلاة في المسجد الأقصى، دليلٌ واضحٌ على ذلك· فقد انقسم الحاضرون الفلسطينيون في المسجد الأقصى إلى فريقين: فريق يريد السماح للوزير المصري بالصلاة، وفريق آخر يرفض ذلك، لأنه آتٍ من إسرائيل، ولأنّ ذاك الفريق يشكُّ شكاً قوياً بكل الدور المصري· وبعد قُرابة الأعوام الأربعة على فشل اتفاقيات أوسلو وطابا، والإنهاك الشديد نتيجة الهجمة الإسرائيلية الوحشية والمستمرة، يتجلَّى الانقسامُ الفلسطيني في عدة مظاهر، وعدة طبقات أو مستويات : على مستوى الرؤية للحلّ، وعلى مستوى السلطة، وعلى مستوى التكتيكات والاستراتيجيات· فالسلطة الفلسطينية منقسمة، ويظهر انقسامُها في التنافُس من حول عرفات، كما كان عليه الأمر بين حكومتي أبو مازن وأبو علاء· فقد خاصم الفريق الذي حول عرفات (وكان من ضمنه أحمد قريع) أبو مازن وحكومته بحجة أنها مطلبٌ أميركي· وقد ظهر سريعاً أنّ هذا غير صحيح، لأنّ الأميركيين والإسرائيليين لم يعطوا أبا مازن شيئاً بل تعمدوا إفشاله بعد أن نجح في فرض هدنة على التنظيمات الفلسطينية، استمرت قُرابة ستة أسابيع· ثم انقسم الفريق إلى نصفين من جديد عند تشكيل حكومة أحمد قريع· فقادة الأجهزة الأمنية أرادوا البقاء تحت سيطرة عرفات، وأحمد قريع أرادهم تحت سيطرته، ليس إطاعةً للأميركيين ؛ بل لكي يملك شيئاً بيده يستطيع التفاوض عليه· ومع أنّ الباقي من عرفات وسلطته ضئيل ؛ فإنّ الذين جاءوا مع منظمة التحرير من الخارج، ما يزالون معتمدين عليه، لأنّ إمكانيات السلطة بيده· ولأنهم لا يملكون قاعدةً شعبية مستقلة في الداخل الفلسطيني ·
وعلى مستوى الرؤية والواقع، ينقسم الفلسطينيون إلى ثلاثة أقسام رئيسية: فريق السلطة الملتزم باتفاقية أوسلو والاتفاقيات اللاحقة وصولاً إلى خريطة الطريق، والفريق الإسلامي (حماس والجهاد) والملتزم بالتحرير الكامل دونما مفاوضات، مع الالتزام بعدم التردي في الحرب الأهلية مع السلطة· والفريق الثالث، وهو الذي ينفتح على قطاعـات في المجتمع السياسي الإسرائيلي، رجاءَ تجاوُز شارون من جهة، والتنظيمات الإسلامية الفلسطينية من جهةٍ ثانية· والحقُّ أنّ الإسـلاميين استولَوا على الأرض خلال الانتفاضـة، التي نافـستهم عليها (فتح) دونما نجاحٍ كبير (من خلال كتائب الأقصى)· ولا تملك السلطة عملياً غير قوات الشرطة، وبعض قواعد (فتح) القديمة· ولهذا ففي الوقت الذي يتحرك فيه فريقا السلطة، واليسار الليبرالي، كأنما هما ممثلا الشعب الفلسطيني؛ يحتشد الجمهور المفجوع والمتعَب من حول (حماس) و(الجهاد) وبخاصةٍ في قطاع غزة؛ إلى جانب أحزاب إسلامية صغيرة أخرى مثل (حزب التحرير)·
أما أكبر خسائر الفلسطينيين - خارج الخراب الإسرائيلي؛ فأمران: العزلة العربية، والافتقار للدعم الدولي· إذ في الواقع ما عاد أحدٌ على المسرح الدولي يؤيّدُ مقاومةً فلسطينيةً مسلََّحة، مع شبه إجماعٍ على إرهابية (حماس) و(الجهاد) بضغطٍ من الولايات المتحدة، وبسبب الهجمات الانتحارية· ولا تفسير لفقد الدعم العربي غير الضعف والعجز· فقد شلَّت الحرب على الإرهاب، ثم غزو العراق، كلَّ يدٍ عربيةٍ كانت تمتدُّ