منذ صعود حكومة حزب "المحافظين" إلى الحكم في كندا، قبل سبعة أشهر (وهي حكومة أقلية فرضتها ظروف داخلية)، والمسلمون الكنديون (650 ألفا) والعرب الكنديون (300 ألف) يشعرون بالقلق من توجهات "ستيفن هاربر"، رئيس الوزراء الكندي "المحافظ" الجديد، وفريقه الوزاري، نحو العلاقات الكندية-العربية، تشاركهم في هذا القلق المشروع، أغلبية المواطنين الكنديين الذين حجبوا عنه الأغلبية العددية في البرلمان التي تمكنه من الحكم المريح الذي يسعى إليه. فالحزب "المحافظ" بزعامة "هاربر"، ظل يثير قلق وتوجس غالبية المواطنين وهو في المعارضة، وذلك بسبب توجهاته الداخلية الاجتماعية المناهضة لقيم ومبادئ العدالة الاجتماعية الكندية، المتمثلة في الرعاية الصحية للجميع والتعليم الميسر للجميع والمشاركة الفعلية في رعاية الضعفاء وتوفير الفرص الأوسع للمهاجرين واللاجئين. وكذلك بسبب توجهاته في السياسة الخارجية الكندية، التي يحرص الكنديون-بل ويفخرون- بتميزها وسموها على السياسات الإمبريالية للولايات المتحدة الأميركية، التي كان الشعب الكندي أعلى الأصوات رفضاً لها في الغرب الرأسمالي منذ حرب أميركا في فيتنام إلى حربها في العراق، هذه السياسة الوطنية المستقلة التي أرسى أسسها، منذ خمسينيات القرن الماضي، وزير الخارجية ثم رئيس الوزراء الكندي فيما بعد "بيترسون"، باقتراحه الشهير بإنشاء قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام إبان العدوان الإسرائيلي-البريطاني-الفرنسي على مصر عام 1956. ولقد ظلت السياسة الخارجية الكندية على مختلف العصور، تحافظ على موقف كندي إزاء الصراع الإسرائيلي-العربي، قائم على مبدأ حق اليهود في الدفاع عن دولتهم بحدودها المعترف بها دولياً، وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وعودة اللاجئين إلى أرضهم. هذه السياسة المتوازية التي انتهجتها الحكومات الكندية، قبل حكومة "المحافظين" الجديدة، هي محل تأييد ودعم كافة المواطنين الكنديين، وهي التي جعلت لكندا هذه السمعة الحسنة في العالمين العربي والإسلامي. وفي المرة الوحيدة التي حاول فيها وزير خارجية كندي "محافظ"، أن يخرج عن هذا الخط الكندي، واقترح نقل السفارة الكندية في إسرائيل إلى القدس، هب الرأي العام في وجهه ما جعل رئيسه يصرح علناً في البرلمان بأن وزير الخارجية في هذا الموقف لا يعبر عن سياسة الحكومة الكندية! لكن منذ استلام "هاربر" مقاليد السلطة، بدأت هذه التحولات المثيرة للقلق والتوجس، بل والغضب الشعبي العام، تظهر على سطح السياسة الخارجية الكندية. وكانت البداية يوم أعلن رئيس الوزراء نفسه قطع المعونة المالية التي تقدمها الحكومة الكندية للسلطة الفلسطينية، يوم منح الفلسطينيون ثقتهم لـ"حماس" في انتخابات ديمقراطية، كان أحد شهودها رئيس لجنة الانتخابات الفيدرالية الكندية! ولقد سبق "هاربر" في هذه "المبادرة" جورج دبليو بوش وكان بذلك المبادر الأول في العالم ضد الفلسطينيين. ثم جاء قراره الثاني بتحويل قوة حفظ السلام وإعادة الإعمار الكندية في أفغانستان إلى قوة مواجهة قتالية، لتتولى العام القادم قيادة القوات الحليفة. وخلال الأشهر القليلة الماضية سجل المراقبون والمتابعون هذا التحول السريع الذي جعل بعضهم يصف الرئيس الكندي بأنه أكثر التزاماً بسياسة حليفه الأميركي تجاه الشرق الأوسط من رئيس الوزراء البريطاني، الحليف الأول للرئيس بوش. وجاءت الكارثة عشية حرب إسرائيل على لبنان الدائرة حالياً، فإذا بـ"الرئيس المبادر" يسبق الجميع -حتى رئيس وزراء إسرائيل- ويعلن بكل شجاعة، أن ضرب إسرائيل للمطارات والطرق والجسور وقتلها المدنيين ومن بينهم سبعة كنديين (أطفال وأمهم)، هو عملية محسوبة جيداً وتقع في دائرة الحرب الكونية على إرهاب الإسلاميين اللبنانيين (حزب الله)! وانفجر الغضب في كندا الشعبية وتساءل الناس، كيف يمكن لرئيس كندي يرى أطفالاً من مواطنيه يسقطون ضحايا العملية الإسرائيلية المحسوبة جيداً، ولا يحتج ولو بكلمة واحدة على هذه الوحشية الإسرائيلية؟ بل ويتمادى في تبريرها والدفاع عنها كما لو أنه وزير الدفاع الإسرائيلي؟ ولعل هذا هو سبب التظاهرات الجماهيرية الحاشدة التي شهدتها كندا هذا الأسبوع، منددة بالإرهاب الإسرائيلي والعدوان على لبنان وغزة، ومعلنة -كما قالت إحدى السيدات اليهوديات (رئيسة الجمعية اليهودية الكندية)- "أن هاربر لا يمثلنا". إن هذا الاندفاع والتحول السريع في السياسة الكندية تجاه الشرق الأوسط، لا يقلق العرب والمسلمين الكنديين وحدهم، ولكنه أصبح هماً وقلقاً كندياً عاماً.