يتلخص الموقف الأميركي من المواجهة التي تهز أركان الشرق الأوسط حالياً في شعار "أوقفوا القتل، لكن ليس فورا". فالولايات المتحدة تقاوم الضغوط الداعية إلى وقف فوري لإطلاق النار لأنها تريد منح إسرائيل فرصة القضاء على "حزب الله" وضرب بنيته العسكرية. ولئن كان من غير المرجع أن يفسح الوقت الممنوح لإسرائيل مجالا واسعاً لتحقيق نصر عسكري حاسم، فإن الصور الأليمة للقتلى اللبنانيين ستستمر في الظهور على الشاشات العربية معززة موقف المتشددين العرب، فضلا عن النفوذ الإيراني والشيعي في المنطقة على حساب الأنظمة المعتدلة. ويبدو أن العملية العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان والتأييد الأميركي الواضح لها يعكس مرة أخرى التصور الخاطئ الذي تنتهجه الولايات المتحدة وسبق أن قادها إلى التورط في العراق. إنها النظرة الطوباوية القائمة على ضرورة تقويم المعوج، والتدخل العسكري لإعادة صياغة السياسة العربية على أسس جديدة. إسرائيل تعتبر نفسها، كما كانت الولايات المتحدة مباشرة عقب 11 سبتمبر، أنها تقف في صف الوضوح الأخلاقي. ولا شك أنها على حق في ذلك، حيث جاءت عملية "حزب الله" ضد إسرائيل في الوقت الذي انسحبت فيه من لبنان وغزة. وبينما كانت الدولة العبرية تنظر مكافأة نظير انسحابها من بعض الأراضي التي احتلتها سابقاً وجدت نفسها تخضع لإطلاق القذائف على أراضيها، وتتعرض حدودها للاختراق. ومع ذلك لا بد لإسرائيل أن تتعلم أحد أقدم الدروس في العلاقات الدولية وهو أنه ليس لكل معضلة حل حاسم. وإذا كانت القاعدة الأولى في السياسة الخارجية كما في الطب هي "لا تلحق الضرر بأحد"، إلا أن ما يجري في لبنان مع الأسف من عنف شبيه باجتياح عام 1982 يلحق الكثير من الضرر الاستراتيجي بالمصالح الأميركية في المنطقة. ويرى أصحاب هذا التصور الذين يبررون فكرة إنزال الضرر بالغير أنه لم يكن بإمكان إسرائيل فعل أفضل مما كان، لا سيما في ظل استهدافها بالصواريخ، وتعرضها لهجمات منظمة إرهابية تسعى إلى القضاء على الدولة اليهودية. وإذا وجدت هذه المنظمة الإرهابية ملاذاً آمنا لها داخل الحدود الدولية لبلد عاجز عن بسط سلطته على كامل أراضيه ليس هناك من حل سوى التصدي للتهديد والقضاء عليه. ويواصل أصحاب هذا الرأي مؤكدين أن اقتلاع "حزب الله" من جنوب لبنان لامناص من أن يؤدي إلى سقوط بعض الضحايا من المدنيين العزل. لذا فإنه على إسرائيل أن ترد على عملية "حزب الله" وتسعى إلى تحييد خطره عن الحدود الشمالية للدولة. غير أن المشكلة مع هذا الرأي هو ابتعاده عن الصواب. فقبل يوم واحد فقط على عملية "حزب الله" في شمال إسرائيل قام مجموعة من الإرهابيين بتفجير القطارات في مدينة مومباي الهندية سقط فيها 200 قتيل، وهو عشر مرات أكثر من القتلى الإسرائيليين الذين سقطوا على يد "حزب الله" منذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان سنة 2000. ولا ننسى أن عملية مومباي الأخيرة جاءت ضمن سلسلة طويلة من الهجمات التي استمرت لسنوات تنفذها عناصر إرهابية تعمل انطلاقاً من الحدود الباكستانية. ورغم أن العديد من المواطنين الهنود انتقدوا رئيس وزرائهم مانموهان سينج على رده الفاتر تجاه العملية الإرهابية، إلا أنه كان حكيماً عندما اعترف بأن التصعيد العسكري لن يحل مشكلة الإرهاب، بل قد يجر الجارتين النوويتين إلى حرب لا تبقي ولا تذر. إسرائيل نفسها لم تنسق وراء رد قاس تحت قيادة أرييل شارون وإيهود باراك عندما كان "حزب الله" ينفذ عملياته ضد إسرائيل. وهو السبب نفسه الذي أحرج "حزب الله" ودفعه إلى تبني موقف دفاعي وسط انتقادات الحكومات العربية السنية. لذا تعتبر المغامرة الحالية بين لبنان وإسرائيل فرصة أخرى لتعزيز موقف المتشددين مثل النظام السوري، وإضعاف المعتدلين في الأردن، وفي الوقت نفسه إتاحة الفرصة لإيران والعناصر الشيعية لبث دعاياتهم المناوئة لأميركا في المنطقة. وبسبب تدفق صور القتلى من أطفال لبنان على القنوات الفضائية العربية فإننا نضع حلفاءنا العرب في موقف حرج للغاية، خاصة عندما يبدأ الطرف الآخر في التساؤل كيف يمكن لتلك الحكومات أن تتعاون مع الولايات المتحدة بينما تقدم هذه الأخيرة الذخيرة والسلاح لإسرائيل كي تقتل هؤلاء الأطفال. وفي افتتاحيتها ليوم الاثنين كتبت الصحيفة اللبنانية "ذي دايلي ستار" موضحة "بالنسبة لهؤلا الذين رحبوا برؤية بوش الديمقراطية في الشرق الأوسط فإننا مازلنا نؤمن بتحقيق وعد عراق حر ولبنان حر". لكن الصحيفة تابعت في افتتاحيتها "لكننا نأسف لما آلت إليه رؤية بوش التي غلفها دخان السياسة الأميركية غير الحكيمة. فحلم الديموقراطية الذي كان يراودنا في السابق تحول إلى كابوس من الرعب والحرب الأهلية". واللافت أن بوش إلى حد الآن لم يسبق له أن انخرط في صراع الشرق الأوسط بكل تفاصيله، ولم يقم برحلات مكوكية إلى المنطقة تشمل دمشق كما كان يفعل سلفه بيل كلينتون. ورغم أن الجهود المضنية التي بذلها كلينتون على امتداد فترته الرئاسية للتوصل إلى تسوية تنهي الصراع لم تؤت أكلها، لكن قد ينتهي بنا الأمر في ظل الأوضاع الحالية المتفجرة إلى التحسر على مرحلة الدبلوماسية الأميركية والإسرائيلية النشطة التي سادت في السابق لأنها على الأقل ورغم إنجازاتها الهزيلة حققت ما هو أفضل من الدمار الذي يخلفه التدخل العسكري. نيكولاس كريستوف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"