لا أرى أفضل من وصف الحرب الدائرة في لبنان بأنها "حرب البلطجة". كنا نعتقد أن "البلطجة" تقتصر على الأفراد إلا أن الحرب اللبنانية أكدت لنا بأن "بلطجة" الدولة هي نوع جديد أفرزته العولمة وترعاه الدول المتحضرة الراعية لحقوق الإنسان! لا خلاف على أن "حزب الله"، ومن معه يتحملون المسؤولية عما حدث للبنان من تدمير شامل، إلا أن خلافنا حول لغة البلطجة التي تتبناها إسرائيل, فهي تشن أعنف الغارات الجوية والصاروخية على المدن والأحياء السكنية وعلى المنشآت المدنية، تحت راية الحرب على "حزب الله". هذه الحرب لها لون وطعم كريهان, إنها حرب تجزئة التجزئة، إنها حرب الانقسام والتفتيت الطائفي, هي حرب مدمرة لكرامة الإنسان، وهي حرب هدفها ليس فقط "حزب الله" وإنما أيضاً الإنسان العربي الذي وجد نفسه في حالة ذهول إزاء الصمت الذي تمارسه الأنظمة العربية. النتائج واضحة، فـ"حزب الله" لا يملك القوة أمام التقنية الحديثة، ولا يملك القدرة على المقاومة لـ"بلطجة" عالمية تسعى إلى تكسير فكرة الرفض لكل ما هو أميركي المذاق. فالولايات المتحدة الأميركية، ومعها بقية "البلطجيين"، قررت وضع حد نهائي لحكم المنطق والعقل؛ فهذه الدول وتحت مظلة الحرب على الإرهاب، دمرت الأخضر واليابس في لبنان, وتسعى إلى فرض واقع جديد يتسم بروح الخنوع والقبول بمنطق القوة القائم على الفهلوة. الحرب ستنتهي بعد الاطمئنان على تجريد "حزب الله" من آلته العسكرية، ومن ثم يبدأ وقف إطلاق النار، وعلى حد قولهم، ستبدأ مفاوضات الضعفاء الذين لا خيار أمامهم سوى القبول بشروط "البلطجة". الدولة اللبنانية واعية لموضوع إخضاع "حزب الله" لسلطة الدولة، وكانت تسعى لتحقيق ذلك من خلال التفاوض للحفاظ على وحدة لبنان، إلا أن الأمر بحاجة إلى مزيد من الضغط السلمي على كل من سوريا وإيران باعتبارهما القوة المحركة لـ"حزب الله". السياسة الأميركية سياسة تحكمها الفهلوة, فهي ترى في هذه الحرب استكمالاً لحربها ضد الإرهاب، كما ترى أن استخدام القوة يمثل السبيل الوحيد لإنهاء "ثقافة الإرهاب" ومسحه من مخيلة الداعمين لفكرة المقاومة. هذه السياسة ستجر الويلات على كل من يرجح العقل وفكرة الاعتدال؛ فاليوم نشهد زيادة بأعداد المؤيدين لـ"حزب الله" وارتفاعا في مخزون الكراهية للولايات المتحدة، وتغيراً في النظرة إلى لأنظمة العربية المؤيدة للسياسة الأميركية. فالمملكة العربية السعودية التي وصفت الحرب بأنها "مغامرة" يقودها "حزب الله" لم تملك إلا رفض الشروط لوقف أطلاق النار باعتبارها شروط منطق القوة والفهلوة. الدول العربية هي الخاسر الأكبر في هذه الحرب، خاصة تلك السائرة منها في النفق الأميركي, فهذه الدول ستجد نفسها في مواجهه مع شعوبها, ولا نستبعد زيادة وتيرة العنف في بعضها للتعبير عن الاحتجاج ضد الهيمنة والعربدة الإسرائيليتين. لذلك فإنه على هذه الدول إظهار نوع من الرفض للمنطق الأميركي ودفع واشنطن للادراك بأن هذه الشعوب لها كامل الحق، حالها حال الشعوب الأخرى, بمعنى أن الرأي العام العربي يجب أن يحترم كما تحترم أميركا الرأي العام عندها. نريد من دولنا المرتبطة بالولايات المتحدة أن تعي بأن المصالح مشتركة ولا يمكن لطرف الاستفراد في تحقيق مصالحه دون اعتبار للطرف الآخر. نحن نرتبط مع أميركا بمعادلة غير متكافئة وغير محكومة بمبدأ المصالح المشتركة، وقد تجلب لنا هذه العلاقة مزيداً من الخسارة. السياسة الأميركية ستضاعف مخزون الإرهاب وستأتي بمزيد من الدمار لمنطقتنا العربية. فكرة الاعتدال لن تتحقق في بلادنا طالما استمرت الولايات المتحدة في تجاهل مصالح شعوب المنطقة، والمستقبل لا يبشر بخير طالما أغفلنا حقيقة أن السلام لا يتحقق من خلال منطق "البلطجة" العالمية.