منذ أن بدأت إسرائيل قصفها الجوي للبنان قبل أسبوعين, يكاد عدد "البوسترات" والملصقات والصور التي تظهر الرئيس السوري بشار الأسد وإلى جانبه كل من نظيره الإيراني محمود أحمدي نجاد وزعيم "حزب الله" حسن نصر الله، قد تضاعف في شوارع العاصمة السورية دمشق. وعلى امتداد المدينة كلها, ترفرف أعلام "حزب الله" خارج نوافذ السيارات المارة في الشوارع العامة, بينما تهلل به الجماهير السورية على أنه الزعيم العربي الوحيد العازم على مواجهة إسرائيل ومنازلتها. وفي الوقت ذاته يجري التهليل باسمي كل من بشار الأسد وأحمدي نجاد, باعتبارهما القائدين الوحيدين الثابتين على دعمهما لـ"حزب الله". ولذلك فهم يمثلون في نظر الجماهير هنا, رمزاً ثلاثياً لمقاومة الطغيان والصلف الإسرائيلي الأميركي في المنطقة. غير أن السؤال الواجب طرحه هو: بينما يلاحظ أن لـ"حزب الله" نفوذاً ملحوظاً في سوريا, وأنه يتمتع بدعم كبير من حكومة دمشق, فهل للرئيس بشار الأسد النفوذ ذاته على الحزب وزعيمه حسن نصر الله؟ وهل يستطيع الأسد لجم جماح الحزب وإقناعه بضرورة التفاوض على حل سلمي للنزاع, بدلاً من الاستمرار في طريق المواجهة العسكرية؟ يُذكر أن فيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري صرح يوم الأحد الماضي, حول رغبة بلاده في إجراء محادثات مع الولايات المتحدة الأميركية بغية إيجاد حل للمواجهات الجارية بين إسرائيل و"حزب الله". وطبقاً لنص التصريح الذي نقلته عنه وكالة "رويترز للأنباء" فقد جاء على لسانه قوله:"إن سوريا مستعدة لمحاورة الولايات المتحدة الأميركية, استناداً الى الاحترام والمصالح المتبادلة بين البلدين". واستطردت الوكالة في نقل ما ورد على لسان المقداد بقولها: ويكمن حل النزاع الحالي في وقف لإطلاق النيران تتوسط فيه القوى الدولية, على أن يتبعه جهد دبلوماسي يستهدف التصدي لمطالب "حزب الله", بما فيها تبادل الأسرى. يجدر بالذكر أنه ومنذ أن بدأت الحرب الإسرائيلية ضد ميليشيات "حزب الله" على أثر اختطاف الأخيرة لجنديين إسرائيليين في الثاني عشر من شهر يوليو الجاري, بدأت واشنطن تدير نظرها إلى دمشق, باعتبارها طرفاً أساسياً في التوسط لإيجاد حل سلمي للنزاع. والمعلوم أن واشنطن تتهم دمشق بكونها راعياً رئيسياً لـ"حزب الله", وبفتح حدودها أمام شحنات الأسلحة والعتاد الحربي الصادرة لميليشيات الحزب من الجارة إيران. وفيما تناقلته الصحف وشتى وسائل الإعلام الأميركية والدولية خلال الأيام الماضية, فقد ورد تعليق على لسان الرئيس بوش موجه إلى حليفه البريطاني توني بلير, أعرب فيه عن رغبته في أن يتحدث كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة إلى الرئيس السوري بشار الأسد ويحثه على ضرورة وقف "حزب الله" عما هو ماض فيه". ثم أردف ذلك باتهامه لسوريا يوم الثلاثاء الماضي, بنيتها العودة مجدداً إلى لبنان. إلى ذلك يتوقع أن تلتقي وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس بالقادة العرب في العاصمة الإيطالية روما خلال الأسبوع الحالي, وذلك من أجل ممارسة المزيد من الضغوط على كل من سوريا وإيران بغية منعهما من مواصلة دعمهما لـ"حزب الله". ولكن السؤال الرئيسي الذي يثيره المراقبون والمحللون هنا, مدى قدرة دمشق على صد "حزب الله"، المدعوم كذلك من قبل طهران, لا سيما في ظل تداعيات انسحابها من لبنان العام الماضي, تحت تصاعد ضغوط متواصلة من جانب الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي؟ وضمن هذه الشكوك, علقت أمل سعد غريب, أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في بيروت والخبيرة في شؤون "حزب الله", بقولها إن الغرب يضخم كثيراً حجم النفوذ الذي تستطيع دمشق ممارسته على "حزب الله". إلى ذلك مضت الأستاذة أمل إلى القول "إن هذه النداءات الموجهة إلى سوريا بضرورة ممارستها المزيد من الضغوط على حزب الله, ليست هي في الواقع أكثر من مجرد حملة علاقات عامة تطلقها واشنطن. فمن جانبي لم أعد أدري أي قدر من النفوذ بقي لدمشق على حزب الله. فالشاهد أن سوريا قد أضعفت كثيراً الآن, بينما يقف "حزب الله" طرفاً أقوى وأكبر سيطرة في هذه العلاقة غير المتكافئة الأطراف". يُشار في هذا الصدد أن المجتمع الدولي كان قد ساند القرار الأممي رقم 1559 الذي دعا لانسحاب القوات السورية من لبنان, وإلى تفكيك كافة الميليشيات اللبنانية المسلحة –في إشارة غير مباشرة منه إلى ميليشيات "حزب الله"- وبناءً عليه فقد انسحبت سوريا في الثلاثين من أبريل من العام الماضي 2005, بعد ما يقارب الثلاثة عقود من وجودها في لبنان. ومن ساعتها لم يعد لها ذلك النفوذ الذي كان لها سابقاً على الساحة اللبنانية في مجملها. ــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"