من الصعب على أي كاتب أو محلل، وبخاصة إن كان ممن يحب لبنان ويقدر دورها ومكانتها والعطاء الحضاري الكبير لأهلها، أن يتجاهل مشاعره وانفعالاته وغضبه، وهو يرى هذه البلاد الرائعة تُقصف وتُهدم وُتمزق ويُقتل فيها الرجال والنساء والأطفال بلا رحمة. من المؤلم كذلك أن يتصور الواحد منا، أياً كان، مقدار اليأس والبؤس الذي قد يشعر به كل لبناني، وهو يرى أن كل تضحياته المادية والمعنوية خلال ثلاثين عاماً على الأقل، ذهبت أدراج الرياح، وضاعت كالهباء، فما كاد يبلغ القمة حتى نالت منه ضربة موجعة، قذفت به إلى واد سحيق. بمَ تشعر عندما ترى بلادك يزج بها في حرب مفزعة مدمرة كهذه دون استشارة الحكومة أو البرلمان؟ بم تشعر عندما تتهدم الدنيا من حولك ويموت أهلك وتتدمر المباني والمنجزات الاقتصادية والمدن والقرى، لقرار لا يد لك ولا لمعظم الناس من حولك في اتخاذه؟ لم يكتف العرب ومغامروهم من ساسة ومفكرين بما فعلوا بلبنان على امتداد ستين عاماً، ولم يفهموا أي درس من هذا التنقل العقائدي والتطرف السياسي بين التيارات القومية و"اليسارية" والدينية وتصارع الأحزاب والزعامات، وتدخل الجيران الأقربين والأبعدين في شؤون لبنان وصحافتها ومصالحها الوطنية. وها هي تُجر إلى مغامرة جديدة مدمرة مكلفة مميتة، كي تضحي بنفسها وتتلقى الصفعات والركلات والقنابل والصواريخ، نيابة عن الآخرين، وفي سبيل المزيد من الشعارات. لقد تقاذف ساسة ومثقفون وقادة أحزاب العالم العربي لبنان على امتداد سنوات طويلة، وجعلوا منها ساحة لحروبهم ومشاريعهم الثورية والنضالية. ولم يشفع لها كل هذا، فقد اختطفت البلاد واغتصبت ونهبت، واغتيل زعماؤها، وتم تهديد قادتها بأن بيروت ولبنان سيتم تحطيمهما وتكسيرهما على رؤوسهم إن عصوا الأوامر وحلموا بغدٍ أفضل. وهذا ما نراه الآن! بين عامي 1990 و2006، شهد العالم العربي ثلاث حروب في الكويت والعراق ولبنان، أظهرت بوضوح كم نحن مغيبون ومتخبطون وعاطفيون بل ومغامرون. قبل عام 1990 كان المفكرون والحزبيون القوميون والتقدميون قد "درسوا" كما زعموا، تجارب الوحدة في العالم العربي، وأدركوا فضائل الاعتدال والتدرج ونبهوا الجمهور إليها، وكان الإسلاميون يتحدثون عن الاعتدال والتوازن والابتعاد عن التسرع والعنف. ولكن ما أن أقدم الرئيس صدام على مغامرته تلك تحت شعار الوحدة والإسلام ومنازلة الكفار وتصفية الحساب مع الامبريالية الأميركية و"ربيبتها إسرائيل"، حتى فقد الشارع العربي عقله وطار صوابه، وتوالت بيانات الأحزاب وتحليلات الوحدويين والاستراتيجيين، وذلك في غيبوبة كاملة عن التوازنات والمصالح الدولية، وأبسطها استحالة تعايش بلدان العالم الكبرى وقواها العظمى مع هيمنة رجل مثل صدام، ونظام دموي مثل نظامه، على منطقة الخليج والجزيرة والمشرق العربي! يومذاك، كما نذكر جيداً، لم يكترث إلا قلة من العرب برأي الشعب الكويتي في هذا "الانجاز الوحدوي" العظيم، ولا فكر أحد فيما يمكن أن يحدث للعراق وشعبه إن قامت الحرب. بل تطوع آلاف الآلاف في كل مكان للوقوف إلى جانب "القائد الضرورة" في مهزلة "أم المعارك"! أمضى العرب أعواماً عديدة منذ كارثة 1990 قبل أن تفاجئهم من جديد حرب إسقاط صدام عام 2003، وهنا أيضاً، لم يكترث أحد بجرائم صدام وديكتاتوريته، ولا اهتم أحد برأي غالبية أهل العراق بنظامهم، ولا تعاطف الجمهور المتحمس بحق العراقيين في الحرية. بل خرج قادة "حماس" على الناس، مغامرين بمصالح الشعب الفلسطيني ومطالبين العراقيين بالالتفاف حول "قيادتهم الوطنية" واستقبال الأميركان بالأحزمة الناسفة! وتقاطر المناضلون والمجاهدون السلفيون التكفيريون والإخوان والجماعات الإسلامية من شمال أفريقيا ووادي النيل ودول الشام والخليج والجزيرة، باسم الجهاد والمقاومة! ولو كانت مثل ديكتاتورية صدام ونظامه قد ضربت أي دولة أوروبية مثلاً، فلربما تشكلت بعد سقوطه في دول الجوار فرق من الأطباء أو المدرسين أو خبراء الزراعة والماء وغيرهم. أما من تدفق على العراق من دول الجوار القريبة منها والبعيدة، فلم تكن سوى فرق الموت والتفخيخ وزرع الكراهية الطائفية والتكفير والتعصب الديني. واستعان كثيرون-للأسف- في دفاعهم عن بقاء النظام الظالم بمفاهيم مغلوطة، حيث أشاد الإعلام العربي في دفاعه عنه كـ"سند وظهر" للمجهود العربي في معركته مع الصهيونية والاستعمار، وحملهم التعاطف معه ومعاداة السياسة الأميركية إلى أن لا يروا في محاولة إسقاطه سوى مؤامرة ضد مصالح الشعب العراقي! انظر كيف يتحدث العرب باسمك دون أن تخولهم بذلك، وكيف يزعمون أنهم أدرى منك بمصالحك، وكيف يختارون لك الأدوية دون أن يفحصوك ودون أي تشخيص! وتأمل هذا التجاهل الفاضح لمشاكل تركيبة الجيش العراقي، وتردي مستواه بسبب الاستبداد الداخلي والحصار الخارجي، والتصفيات المتوالية في صفوفه. بل حاول أن تفهم هذا الارتجال في إعلامنا، حيث يتوقعون أن مجرد تكديس الجيوش مهما كانت طبيعة أسلحتها كفيل بتحقيق النصر، أو كأن جوهر تخلفنا هو فشلنا في "التصدي" للولايات المتحدة والغرب! اختار خصوم الأوضاع الجديدة في العراق بعد سقوط النظام عام 2003، شيعة العراق هدفاً لهجومهم، بسبب عدم استقبالهم للقوات الأميركية بالأحزمة الناسفة والمفخخات، وبسبب انخراطهم في العملية السياسية، ولعدم دخولهم في "المقاومة الوطنية" ضد الاحتلال. وانتشرت كمية ضخمة من الكتب والأشرطة ضد الطائفة الشيعية عموماً تتهمهم بمعاداة المسلمين وموالاة الأعداء وغير ذلك. ومن غرائب ما شوهد إعلامياً في حرب العراق عام 2003، عدم تعاطف محطتي "العالم" الإيرانية، و"المنار" التابعة لـ"حزب الله" مع إسقاط نظام صدام حسين! وبدا ذلك غريباً جداً، إذ أن جرائم قائد هذا النظام ضد شيعة العراق معروفة ومروعة، وبخاصة بعد انتفاضة 1991 في الجنوب. كما أن ما فعله بالإيرانيين خلال الحرب العراقية-الإيرانية وما قتل من جندهم وما استخدم ضدهم من أسلحة كيمياوية حقائق موثقة. وكانت تغطية المحطتين للحرب في غاية التحيز والسوء، وشمل العداء موقف الكويت نفسها، التي سمحت بانطلاق الجيوش منها لإسقاط النظام. ولم تهمل هاتان المحطتان مصالح الشعب العراقي فحسب، والشيعة قطاع عريض، بل صارت الأولوية بالنسبة لهما إجهاض كل ما بني منذ أبريل 2003. والأغرب من هذا أن شكوى الكثيرين كانت من تدخل دول الجوار وبخاصة إيران في الشأن العراقي. وكعادة الدول العربية وإعلامها، لا تتحمل معظمها مسؤولياتها إزاء العراق الجديد ولا تدعم أوضاعه، وتكتفي بالصراخ من تدخل الآخرين. وازداد الوضع تعقيداً مع نشوب هذه الحرب الثالثة، وبقيادة حزب رئيس للشيعة في لبنان. ونجح "الشيعة" المشكوك في ولائهم في العراق، في أن يمطروا مدن إسرائيل الشمالية وحيفا بالصواريخ. وفي هذه الحرب كذلك، والتي ألهبت خيال جمهور عربي واسع وتعاطف المسلمين، لم يستشر أحد الشعب اللبناني، ولا اكترث أحد بما سيعاني من عذاب، أو ينزل ببلاده من دمار. وكما استنكر العرب استعانة الكويتيين بالعالم الخارجي عام 1990 لتحرير بلادهم من عدوان الجوار ونظامه الظالم، وكما استهجنوا كراهية العراقيين لقائدهم "القومي" الفذ واستقبالهم للقوى الخارجية وانخراطهم في الحياة السياسية وبناء الديمقراطية أو المشاركة السياسية على الأقل بعد إسقاط ذلك النظام، فإنهم يستنكرون اليوم غضب اللبنانيين وهم يرون ديارهم تخرب ومستقبلهم يدمر، بينما تلوح في الأفق بشائر النصر على إسرائيل!