دون إذن أو تصريح رسمي, حمل موظف يعمل بهيئة شؤون قدامى المحاربين بالجيش الأميركي, جهاز كمبيوتر محمولا معه إلى منزله, كان يحتوي على قاعدة بيانات الأسماء وتواريخ الميلاد وأرقام ضمان اجتماعي خاصة بـ 17.5 مليون من قدامى المحاربين والجنود الحاليين بالجيش الأميركي. وهناك من يقول إن الرقم الإجمالي لهؤلاء ربما يصل إلى 26.5 مليون. ولم تكن وزارة الدفاع على علم بهذه الحقيقة التي لم تكتشفها إلا لحظة سرقة الجهاز المذكور من منزل الموظف في مايو الماضي. ثم أعلنت الوزارة بعد شهر واحد مضى على تلك الحادثة, اعتزامها منح كل الذين تعرضت بياناتهم للسرقة رصيد رقابة مجانية لمدة عام كامل من تاريخه. نقول لوزارة الدفاع شكراً على هذه المبادرة الطيبة, غير أنها لا تختلف كثيراً عن تلقي أحدنا بطاقة بريدية تقول: لقد انخلع باب بيتك الأمامي, ولكن ليس عليك, فسوف تقوم قوات الشرطة بدوريات مرة واحدة أسبوعياً لتطمئن على أن بيتك على ما يرام وأنك لست في خطر يستدعي الخوف! ولعل أمثل طريقة نتصدى بها لفقدان وسرقة أرقام للأفراد هي إصدار أرقام جديدة لمن سرقت بياناتهم. والعبرة في هذا أن البنك يصدر بطاقة ائتمان جديدة برقم جديد لكل من تسرق أو تفقد بطاقته الأصلية. فلم لا نفعل هذا؟ والحقيقة أن جهاز الكمبيوتر يصدر أرقاماً أصلية ترتبط بأسماء حاملي تلك الأرقام. والذي يحدث هو أنه وبصرف النظر عن الرعونة التي يتعامل بها الأفراد مع ذلك الرقم, وبغض النظر عن إفصاحهم عنه للصوص ومحترفي التزوير وما إليهم من قراصنة ومجرمين إلكترونيين, فإن ذلك الرقم يبقى ملازماً لنا ملازمة الروح للجسد حتى الموت. وليس هناك من سبب أو مبرر واحد لاستمرار هذه السياسة. أما من وجهة النظر الحاسوبية البحتة, فهي سياسة مثيرة للسخرية والضحك. فما الذي يميز رقم الضمان الاجتماعي أكثر من كونه رقماً حقيقياً؟ والمعروف عن أجهزة الكمبيوتر قدرتها الفائقة على استخراج البيانات والأرقام الحقيقية, فضلاً عن براعتها في الربط بين الأسماء والأرقام. أما عند الغفلة, فهي بارعة أيضاً في الربط بين رقم واسم ما عشوائياً. وعلى أية حال, فإذا واجهت وزارة الدفاع مشقة أو صعوبة في تغيير أجهزة الكمبيوتر الحكومية بحيث يتسنى لها الربط بين أرقام الضمان الاجتماعي القديمة والأرقام البديلة, فإليها هذا المقترح لحل المشكلة: لتطرح الوزارة مسابقة بين مختلف كليات علوم الكمبيوتر لتحدد أي فرقها أكثر مهارة في تطوير النظم الحاسوبية المعمول بها حالياً بما يؤهلها لمعالجة عمليات استبدال الأرقام القديمة بالجديدة. ويقيناً فإن هناك استحالة عملية في تغيير الأجهزة الحكومية كلها, نظراً لارتفاع التكلفة المالية التي تقدر بمليارات الدولارات. كما تستطيع الوزارة توظيف خيرة مهندسي أمن تقنية المعلومات منعاً لزرع أحدهم الفيروسات في أجهزتها أو زرع المصايد الإلكترونية فيها. وفي مقدورها منح أي من الفرق المتنافسة الفائزة استثناءً ضريبياً بقيمة 500 ألف دولار. وإذا ما بدت هذه الجائزة باهظة التكلفة, فلنذكر أن هيئة شؤون قدامى المحاربين, قد أنفقت سلفاً مبلغ 18 مليون دولار على خطابات تحذيرية من جانبها لكل الأفراد الذين سرقت بياناتهم الخاصة من الجهاز آنف الذكر. كما احتوى ذلك الخطاب على شرح تفصيلي لخدمة رصيد المراقبة, إلى جانب إنفاقها جزءاً من المبلغ نفسه على إنشاء مركز معني برقابة وحماية كافة المستحقات على الأرقام والهويات المسروقة. وحسب تقديراتي الخاصة, فإنه سوف يغدو ممكناً حل المعضلات التقنية المتعلقة باستبدال أرقام الضمان الاجتماعي المسروقة بعد مضي عام من طرح المسابقة المقترحة. وإن بدت هذه الفكرة خيالية وغير معقولة, فلنذكر أن الكل كان قد توقع نهاية إلكترونية للعالم بحلول عام 2000, جراء ما سُمي حينها بـ"فيروس الألفية". بيد أن الذي حدث أن كمبيوترات العالم جميعها شمرت عن سواعها بحلول الألفية الجديدة, بل غدت قادرة على المعالجة الرباعية السنوية الرقمية بدلاً من سابقتها الثنائية. وعلى الرغم من إمكانية تغيير هذه التكنولوجيا نظرياً وعملياً, فإن المفقود في اتخاذ هذه الخطوة هو الإرادة السياسية. ومن هنا فإنه لا بد لأعضاء الكونجرس الحادبين من التصدي لواجب إصدار تشريعات قانونية من شأنها توفير الحماية الإلكترونية لبيانات الضمان الاجتماعي والمعلومات المسروقة. وفيما لو صح عزم الحكومة الفيدرالية, فسوف يكون في وسع برامج مراقبة البيانات الشخصية تتبع المكالمات الهاتفية للإرهابيين والعثور عليها في مكان ما بين مكالمات ملايين الأميركيين الملتزمين بالقانون. وفي هذا ربما تساعد كثيراً خبرة شركات البطاقات الائتمانية وقدرتها المذهلة على وضع اليد على مثل هذه الممارسات الإجرامية باستمرار. ولكن لا بد من ملاحظة إنه في مصلحة تلك الشركات الكشف عن الممارسات إياها, لكونها تخدم مصالحها المالية على نحو مباشر. أما بالنسبة للحكومة, فإنها تفتقر للحوافز المالية التي تدفعها لتطبيق ما تفعله شركات البطاقات الائتمانية. والسبب هو جمعها للضرائب المستحقة على بطاقات وأرقام الضمان الاجتماعي بصرف النظر عن سريانها أو عدم سريانها. وللسبب عينه, فإنه ما من أحد من الموظفين توقع عليه عقوبة مهنية صارمة بسبب تفريطه أو تعريضه لتلك البطاقات والأرقام للسرقة أو الضياع. ولذلك فإن المتضرر الوحيد من وقوع أحداث مؤسفة كهذه هو حامل البطاقة أو صاحب الرقم المسروق. ومن هنا تنشأ أهمية وضرورة التشريع لحماية حقوق الأفراد. ألان أولمان خبير أميركي في نظم المعلومات ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"