وفق مقولة "مصائب قوم عند قوم فوائد" تتأهب حركة "طالبان" الأفغانية المدحورة للاستفادة من الأجواء الحالية المضطربة في منطقة الشرق الأوسط وتداعياتها المتمثلة في انشغال المجتمع الدولي بحرب إسرائيل على لبنان، وزيادة حنق الشارعين العربي والإسلامي على واشنطن والغرب في استعادة نفوذها وخلق شعبية لها. ففي مثل الأجواء الحالية، يكفي أن يقوم أتباع الحركة بالضرب في أي مكان حتى تلتهب أكف وحناجر العرب والمسلمين، بما فيهم أولئك المختلفون فكرياً مع "طالبان"، بالتصفيق لها وإغداق الثناء عليها. وقد رأينا شيئاً من هذا أثناء حرب إسقاط نظام صدام حسين، حينما تبرع الكثيرون من العرب المصنفين في خانة "الليبراليين" و"اليساريين" و"التقدميين" بالتصفيق لعمليات قام بها "الطالبانيون" بالتزامن ضد منشآت وأفراد قوات التحالف في أفغانستان. والمعروف أن "الطالبانيين" نشطوا خلال أشهر أبريل ومايو ويونيو في ضرب بعض الأهداف الحكومية أو تلك التابعة لقوات التحالف في ما سمي بـ"حملة الربيع"، التي تجاوزت كل عمليات الحركة منذ إخراجها من السلطة في شتاء عام 2001، ثم تراجعوا خلال الشهر الحالي مكتفين بهجمات ميليشاوية صغيرة ومتفرقة، حتى أن القوات البريطانية الجديدة التي أرسلت إلى مناطق الجنوب الأفغاني حيث معقل الحركة لم تواجه صعوبة في التمركز والانتشار. ويعزو أحد كبار المتخصصين في شؤون طالبان( سيد سليم شاهزاد) هذا إلى احتمال أن يكون "الطالبانيون" قد قرروا تحين فرص تكون فيها عملياتهم الهجومية متزامنة مع تدهور أكبر إن لجهة المواجهة الإيرانية– الغربية حول ملف طهران النووي أو لجهة الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي، كي يكون لتلك العمليات وقع مدوٍ في نفوس شارع عربي وإسلامي يبحث عن أي انتصار ضد الغرب، حتى لو كانت في صورة تدمير مركبة عسكرية أو قتل مجند. مثل هذا التحليل يحمل قدراً كبيراً من الصحة، خاصة وأن حركة "طالبان" لها سوابق كثيرة في استغلال بعض الأحداث الخارجية في تجييش العواطف الدينية وتحريض النفوس ضد حكومة كابول وقوات التحالف، كسباً للتعاطف والتأييد. فإذا كانت الحركة لم تتأخر في استغلال حوادث مثل حادثة "أبوغريب" في العراق و حادثة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الدانمارك، وحادثة تدنيس القرآن الكريم في سجون غوانتانامو، فمن باب أولى توظيف ما يجري اليوم في لبنان وغزة لتلميع صورتها وإظهار نفسها كمن يقف في الخندق ذاته نصيراً للإسلام والمسلمين. في السياق ذاته أيضاً، يُقال إن ميليشيات "طالبان" التي كانت تقدر في عز أيامها بنحو ثلاثمائة ألف مسلح تمني النفس بأن تشهد أفغانستان موجة من التذمر الشعبي في الأسابيع القادمة على خلفية نقص المؤن الغذائية، فتستغل ذلك في تأليب الأفغان ضد حكومتهم وجذبهم إلى صفوفها. حيث لم يعد خافياً طبقاً لبعض التقارير أن نحو مليونين ونصف المليون من الأفغان قد يواجهون المجاعة بسبب حالة الجفاف هذا العام التي قلصت محصول الحبوب إلى النصف، معطوفاً على تخبط السياسات الزراعية والتموينية لحكومة الرئيس حامد كارزاي، وأن عشرات الآلاف من هؤلاء قد اضطروا بالفعل إلى الانتقال إلى أماكن أكثر وفرة في الغذاء والمياه، ولاسيما الولايات الجنوبية حيث تنشط "طالبان" وأعوانها. وتتقاطع هذه التحليلات مع ما صرح به "الملا غل محمد جانغفي"، أحد القادة الميدانيين العشرة الكبار في ما يسمى بالمجلس القيادي لحركة "طالبان"، من أن الحركة نجحت عن طريق تكثيف عملياتها ضد قوات التحالف في ولاية "هيلمند" في رفع الروح المعنوية في صفوف أتباعها، وأنها الآن تخطط لعمليات نوعية أكثر صدى، وتحديداً ضد المطارات والقواعد العسكرية. وطبقاً للقائد الطالباني، فإن حركته تحاول عبر هذه العمليات والخطط إيصال رسالة إلى كل المسلمين بأن الجهاد ضد الكفار في أفغانستان قد استعاد زخمه، وبالتالي فإن من واجبهم الديني الالتحاق به. غير أن ما لم يقله الرجل هو أن حركته لئن استطاعت خلال الأشهر الثلاثة الماضية من إيقاع نحو مائة إصابة في صفوف قوات الحكومة والتحالف، فإن عملياتها والعمليات المضادة قتلت أو أصابت أكثر من ألفي مدني أفغاني في المناطق الجنوبية والغربية وحدها، حيث غالبية السكان من العرق البشتوني الذي تدعي "طالبان" تمثيله، ولم تؤثر هجماتها كثيراً في معنويات قوات التحالف أو آلتها الحربية المتفوقة. وهذا يجعل "الطالبانيين" في مقام واحد مع ما يسمى بالمقاومة المسلحة في العراق لجهة التسبب في قتل عشرات المدنيين الأبرياء أو تدمير عدد من منشآت الوطن وبنيته التحتية في كل عملية مقابل إصابة فرد أو اثنين من الفريق الخصم. وما لم يتحدث عنه الملا "جانغفي" أيضاً هي المصادر التي تعتمد عليها حركته في التسليح والتجنيد وإعاشة المقاتلين الذين يقدر عددهم بأكثر من ثلاثة آلاف عنصر بحسب أحد التقارير. ففي ظل القيود الدولية المشددة والعيون الاستخباراتية المفتوحة على مدار الساعة للحيلولة دون تحويل الأموال إلى "الطالبانيين" وأنصارهم، لا يوجد لدى الحركة من المصادر المالية سوى زراعة المخدرات وتصديرها من الولايات الجنوبية غير الخاضعة لسلطة الحكومة. وهذا المصدر بطبيعة الحال مدر لأموال ضخمة، بما يجعل الحركة صاحبة ذراع مالي أقوى من الحكومة المركزية التى لا تتجاوز ميزانيتها العامة 600 مليون دولار، ولا تستطيع الاعتماد على زراعة المخدرات في التمويل العام مثلما كانت تفعل معظم حكومات أفغانستان السابقة بسبب ضغوط الدول الغربية الحليفة. ومن هنا أشار أحد التقارير الصحفية الأخيرة إلى وجود ضغوط داخلية من جهات عديدة، ولا سيما من لوردات الحرب السابقين المتحالفين مع حكومة كابول الحالية، لتأجيل عملية حظر زراعة المخدرات في أفغانستان إلى ما بعد القضاء المبرم على "طالبان" وتنظيم "القاعدة"، كي لا تتسبب العملية في قطع مورد مهم من موارد الدولة المالية في وقت هي أحوج ما تكون إليه لتحسين أحوال مواطنيها ونيل دعمهم لبسط سلطتها على كل أقاليم البلاد. لكن من المسؤول عن هذا الخلل الذي أعاد حركة "طالبان" إلى الواجهة ومكنها من استعادة جزء من قواها المنهارة؟ المسؤولية تتقاسمها أربع جهات: أولاها الولايات المتحدة التي انشغلت بملفات خارجية ساخنة أخرى بعدما أخرجت "طالبان" بالقوة من السلطة وضخت أكثر من مليار ونصف مليار دولار في عملية إعادة بناء أفغانستان خلال السنوات الأربع الماضية. وثانيتها الحكومة الأفغانية التي لم تستطع حتى الآن بناء قوة أمنية محلية قادرة على بسط سيادتها على كامل التراب الأفغاني بسبب المماحكات الاثنية والجهوية والقبلية، بدليل أن قواتها لا تزال متخلفة بثلاث سنوات عن خطط التدريب والإعداد والتسليح التي وضعها لها الأميركيون. وثالثتها الدول المانحة التي لم يوف معظمها بما تعهدت به من مساعدات اقتصادية معتبرة لانتشال الأفغان من مصيدة الوقوع في الإحباط المعيشي الدافع إلى الفوضى والخروج على الدولة. ورابعتها فشل باكستان في بسط سيطرتها الكاملة على المناطق الحدودية المتاخمة لأفغانستان، رغم نشرها لتسعين ألفاً من عناصر جيشها في المنطقة، الأمر الذي منح "طالبان" فرصة إعادة جمع قواها وسهل لها عمليات الكر والفر والاختباء.