من المقولات الشائعة التي تجري مجرى الأمثال في كثير من الكتابات العربية وتُستدعى، بداع وبغير داع، في اللحظات الحاسمة من الصراع العربي الصهيوني، من قبيل العدوان الصهيوني الوحشي الأخير على لبنان، ومن قبله العدوان المستمر على الشعب الفلسطيني، مقولةٌ مؤداها أن الكيان الصهيوني، بكل ما يشمله من خليط متنافر سياسياً وثقافياً وعرقياً، يتوحد في الأزمات والتحديات الكبرى، وأن جميع القوى والتيارات السياسية والاجتماعية تضع خلافاتها المستحكمة وصراعاتها الدائمة جانباً وتلتف حول حكومتها في تلك المواقف المصيرية. وقد وصل الأمر ببعض الكتاب العرب إلى اعتبار ذلك "فضيلة" ينبغي على العرب أن يتعلموا منها قيم الانتماء للوطن ونبذ الخلافات والوقوف صفاً واحداً في مواجهة الخطر! وكما هو الحال مع كل المقولات الاختزالية التي لا ترى الواقع في شموله وتعقيده، فإن أصحاب هذه المقولة يستندون عادة إلى واقعة منفردة أو تصريح عابر لإحدى الشخصيات في الكيان الصهيوني، ثم يسارعون إلى إطلاق أحكام عامة مطلقة دونما نظر إلى جوانب أخرى لا تقل أهمية بل وقد تشكك في صحة تلك الأحكام نفسها. والواقع أن هذه المقولة لا تصمد أمام فيض الحالات التي تفجرت فيها الخلافات والتناقضات داخل هذا الكيان، واتضح خلالها أن ذلك "التوحد" لا يعدو أن يكون مجرد وهم لا أساس له. وتكفي الإشارة هنا إلى الصراع الذي بلغ حد الصدام المسلح بين "المنظمة العسكرية القومية في أرض إسرائيل" (المعروفة اختصاراً باسم "الإرجون" أو "إتسل") ومنظمة "المحاربون من أجل حرية إسرائيل" (المعروفة اختصاراً باسم "ليحي" أو "شتيرن") من جهة ومنظمة "الدفاع" ("الهاجاناه") من ناحية أخرى عشية إقامة الدولة الصهيونية بسبب الخلاف حول الموقف الواجب اتخاذه من القوى المتصارعة في الحرب العالمية الثانية؛ والصراع بين أجهزة الاستخبارات الصهيونية المختلفة وصدامها مع القيادة السياسية في أعقاب انكشاف أمر خلية تخريبية صهيونية في القاهرة عام 1955، فيما عُرف باسم "فضيحة لافون"؛ وتبادل الاتهامات بين القيادات العسكرية والسياسية وأجهزة الاستخبارات أثناء حرب عام 1973 وبعدها؛ والصراعات المماثلة التي نشبت أثناء غزو لبنان عام 1982 وفي أعقابه، والانتفاضة الفلسطينية الأولى في عام 1987، ثم هزيمة القوات الصهيونية وانسحابها من جنوب لبنان في عام 2000، والانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام نفسه، ثم انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة في عام 2005، وغير ذلك من اللحظات المصيرية. ولا يختلف الأمر في حالة العدوان الهمجي على قطاع غزة، في أعقاب العملية الفدائية في 25 يونيو 2006، ثم العدوان الأوسع على لبنان منذ 12 يوليو 2006، إذ جاءت هذه الأحداث لتزيد من حدة الصراعات القائمة أصلاً ولتفاقم من الشقاق بين القيادة العسكرية والسياسية، من جهة، وسكان التجمع الاستيطاني الصهيوني على اختلاف انتماءاتهم، من جهة أخرى. وتقدم كتابات كثير من المحللين في الكيان الصهيوني مادةً خصبة تلقي الضوء على أبعاد هذا الشقاق ودلالاته، خاصة وأنه لا يلوح في المدى المنظور أي مخرج للدولة الصهيونية من مستنقع غزة ومن بعده مستنقع لبنان، مع صمود المقاومة الفلسطينية واللبنانية ونجاحهما في توجيه ضربات موجعة للقوات الصهيونية، فضلاً على تزايد الدلائل على تعثر هذه القوات في تنفيذ أهدافها رغم كل إمكاناتها العسكرية. فعلى سبيل المثال، يرى يعقوب أحيمئير (صحيفة معاريف، 18 يوليو2006) أن النجاحات التي حققها "حزب الله"، سواء من خلال العمليات الفدائية التي ينفذها أو الضربات التي يوجهها إلى أهداف داخل الكيان الصهيوني، تطرح أسئلة جدية عن قدرة الاستخبارات الصهيونية، وأن بعض القادة العسكريين بل وكثير من سكان المستوطنات الصهيونية لا يخفون إعجابهم بقدرة "حزب الله" على تنفيذ عمليات على قدر كبير من الإحكام والدقة. ويمضي الكاتب قائلاً: "سمعت وأنا أتجول من مكان إلى آخر أن الأجواء التي تسود البلاد في هذه الأيام شبيهة بتلك التي سادت إبان حرب أكتوبر، ولا يقتصر ذلك على الخوف من دمار الهيكل الثالث "دولة إسرائيل" بل يمتد إلى الإحساس المرير بالمفاجأة في أعقاب تلك العملية التي قام بها "حزب الله" في جنوب لبنان. فقد كانت العملية ناجحة جداً، لأن المفاجأة كانت تامة ومتكاملة، ودون أي علم مسبق بها. وهناك أيضاً الضربة التي حطت كثيراً من تفاخر ومثالية سلاح البحرية، وذلك بإصابة البارجة البحرية، ومشهد البارجة وهي تسير ببطء شديد إلي ميناء أشدود بعد إصابتها وعلى متنها أربعة من الجنود القتلى... ومما زاد الأمر سوءاً ما صرح به أحد كبار قادة سلاح البحرية الإسرائيلية، وهو المقدم "بايغ"، الذي قال بأنه لم يكن لدى سلاح البحرية أي علم بوجود مثل هذه الصواريخ التي أصابت البارجة الإسرائيلية... فأين كانت الاستخبارات العسكرية التي تزودنا بالمعلومات؟". ويثير إسحاق ليئور (صحيفة هآرتس، 18 يوليو 2006) تساؤلات مماثلة عن صواب الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، المتمثلة في تدمير لبنان بدعوى القضاء على "حزب الله"، ويرى أن ثمة ضرورة لكبح جماح القيادات العسكرية التي تقود الدولة بأسرها إلى حرب فاشلة، فيقول: "بسرعة كبيرة نسينا الاحتلال الطويل لجنوب لبنان، وكيف ترافق دخول كل جنرال جديد لمنصب قائد المنطقة الشمالية مع وعود لتغيير شامل للإستراتيجية. جنرال يأتي وآخر يذهب، ومع ذلك تستمر إستراتيجية الجيش الإسرائيلي في توسيع الأساليب المرحلية: المزيد من القتلى والقذائف والعمليات ضد المدنيين (أنظروا إلى غزة). ولا أحد يفكر في أن ثمة خطأً في هذه النظرية الجاهزة." ويعرض إيتان هابر (صحيفة يديعوت أحرونوت، 16 يوليو2006) بعضاً من مشاعر الجمهور في الكيان الصهيوني، والذي لا يرى نهاية لهذه الحروب الدموية التي يُساق إليها من حين لآخر تحت دعاوى تحقيق الأمن والاستقرار، دون أن ينعم حقاً بأي قدر من هذا الأمن الموعود. "... الحرب التي تدور هذه الأيام في لبنان لا تستدعي التصفيق ولا هتافات الانتصار... والسؤال الإسرائيلي المطروح الآن هو "ما هي النهاية؟". وحتى الآن لا توجد حتى بداية للجواب المطلوب. فمن الواضح أن إطلاق صواريخ "الكاتيوشا" من الأراضي اللبنانية لن يتوقف في الأيام القريبة. ولكن، هل حقاً يمكن أن نوقفه تماماً؟ الناس في إسرائيل يقولون لأنفسهم وللناس من حولهم: لقد احتللنا قطاع غزة لمدة أربعين عاماً، وجلسنا وعشنا فيها طوال هذه السنوات، ولم يتغير شيء في كراهية المواطنين لإسرائيل، كما لم نتقدم باتجاه السلام. وبعد أربعين سنة داخل غزة، اتخذنا القرار بالخروج منها.. خرجنا من غزة، من شوارعها وصواريخها ومخيماتها، وخلّفنا وراء ظهورنا بلدات إسرائيلية خربة وآلاف المواطنين الذين استبحنا ثقتهم وخُنا قاعدة إيمانهم الأساسية بنا، كدولة، ولا شيء تغير في جوهر ومعدل كراهية المواطنين الفلسطينيين لإسرائيل، كما أننا لم نتقدم مطلقاً نحو السلام المنشود". ويعبر سيفر بلوتسكر (صحيفة يديعوت أحرونوت، 15 يوليو 2006) عن نفس الإحساس بعدم جدوى العمليات العسكرية الصهيونية، مهما بلغت حدتها ومهما أحدثت من دمار، فيقول: "نحن نستيقظ ونجد أنفسنا داخل فيلم حربي قديم، يتم بثه من جديد. وجميعنا يعرف ويتذكر خاتمة هذا الفيلم. ومع ذلك فإن هذا ليس فيلماً، إنه الواقع: قتلى، جرحى.. والحرب التي لم تشبع أبداً عادت إلينا في هذا المكان ثانية. كم مرة في حياة دولة إسرائيل قصفنا مطار بيروت؟ و"أهداف البنية الأساسية" في لبنان وغزة، مئات وآلاف المرات التي لا حصر لها خرجت طائراتنا لتلقين حكومة لبنان درساً لكي "تتحمل مسؤولياتها" و"تفرض سيطرتها على جنوب لبنان" و"تجرد سلاح" حركة فتح في السبعينيات وحزب الله في التسعينيات. إلا إنها لم تفعل ذلك، لا في الماضي ولا اليوم. وفي مرات لا حصر لها اجتازت جنازير دباباتنا قطاع غزة وقطعت أوصاله بشكل أو بآخر، من أجل أن يعاني السكان فيُضطرون إلى إخراج الإرهابيين وإحراق مخابئهم. إلا إنهم لم يفعلوا ذلك، لا في الماضي ولا في الحاضر." وليست هذه سوى نماذج قليلة من الكتابات التي تعكس إلى حد كبير مشاعر اليأس والإحباط السائدة في أوساط الرأي العام في الكيان الصهيوني، ولكنها كافية للتعرف على جانب مهم لا تظهره المقولات الاختزالية عن "وحدة" ذلك الكيان وقدراته الخرافية التي لا سبيل إلى مواجهتها. والله أعلم.