لماذا اختار "حزب الله" هذه اللحظة بالذات لتصعيد مواجهته مع إسرائيل, لا سيما وهي دولة قوية ضاربة, ولا سبيل أمامه للتطلع إلى هزيمتها عسكرياً؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد لنا أن نفهم أن "حزب الله" هو منظمة بالغة التعقيد وتنطوي على كثير من النزعات والدوافع المتناقضة. وأقل هذه التناقضات أن لهذا الحزب وجهين اثنين. فهو من جهة عبارة عن تنظيم متشدد يدعو إلى تدمير دولة إسرائيل وتخليص لبنان من كافة أشكال النفوذ الأجنبي. كما يؤمن هذا التنظيم بشرعية العنف والاختطاف باعتبارهما وسيلتين أخلاقيتين للكفاح والمقاومة, مع العلم أنه سبق له استخدامهما ضد الإسرائيليين والأميركيين على حد سواء. وتعود نشأة هذا التنظيم إلى عام 1982, إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان, حيث تمكن منذ ذلك الوقت من شن حرب عصابات وهجمات متفرقة على الجنود الإسرائيليين الذين بقوا في جنوبي لبنان بعد الاجتياح. وعندما انسحب الإسرائيليون من الجنوب في عام 2000, ارتفعت أسهم الحزب كثيراً في عيون اللبنانيين الذين رأوا فيه عاملاً رئيسياً في تحقق ذلك النصر الوطني. ومن الناحية الأخرى, سعى الحزب نفسه إلى توسيع أنشطته وتأثيره على نطاق واسع على امتداد الحقب والسنين. فإليه تعود رعاية الكثير من الخدمات الاجتماعية والمراكز المجتمعية الفاعلة, بما فيها مراكز توزيع الأغذية والمساعدات الإنسانية. وترتبط به أيضاً شبكة واسعة من المدارس في مختلف المراحل التعليمية. واستطاع الحزب أن ينشئ عدداً من المرافق الصحية, يرى الكثيرون تفوقها على العديد من المستشفيات والعيادات الصحية الحكومية من حيث جودة الخدمات التي تقدمها. ثم ما أن جاء عام 1992 -حيث نظم لبنان أول انتخابات ديمقراطية يعرفها منذ عشرين عاماً قبل ذلك الوقت- حتى نجح "حزب الله" في الفوز بعدد من مقاعد البرلمان اللبناني، وهو ممثل الآن بوزيرين في الحكومة الحالية. لذلك ما فتئ "حزب الله" يعد أنجح الأحزاب السياسية اللبنانية في نظر الكثيرين. وعلى أية حال, فقد ظل "حزب الله" محافظاً على طبيعته المزدوجة هذه طوال أزيد من عقد زمني. فهو لا يزال يعد منظمة متشددة, ما دعا الحكومة الأميركية إلى إدراجه ضمن قائمتها الخاصة بالمنظمات الإرهابية. وفي الوقت ذاته فهو منظمة مسهمة ومنخرطة في العملية السياسية اللبنانية, ومشاركة في مؤسستها البرلمانية, إلى جانب أنشطتها الخدمية والتعليمية والاجتماعية آنفة الذكر، لذلك ليس من عجب أن يوصف دوره بأنه "دولة داخل الدولة"! لكن رغم كل هذه الحقائق فإن ثمة خلافاً وصراعاً داخل الحزب نفسه, حول ما إذا كان عليه أن يمضي في تشدده الحالي, أم أن عليه أن يتراجع عن ذلك بعض الشيء ويتحول إلى حزب سياسي عادي؟ وفي أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000, ظلت أسهم "حزب الله" مرتفعة للغاية في الأوساط الشعبية اللبنانية لبرهة من الوقت, في حين تراجعت في المقابل شعبية القادة الشيعة من أمثال محمد فضل الله, الذي عرف بمعارضته للاستمرار في التشدد, ودعوته للانخراط الكامل في العملية السياسية اللبنانية. وبالنتيجة فقد اتجه الحزب إلى خفض نبرته المتشددة نوعاً ما, غير أن مجريات الأحداث قد أخذت بالتبدل حينها. ففي مقدمة هذا التبدل, كان هناك انهيار تعرفه عملية "أوسلو" للسلام، وذلك طوال خمس سنوات لم تتخللها مفاوضات سلام إسرائيلي-عربي, مما صعد موجة الغضب الشعبي العربي إلى ذراها, احتجاجاً على حالة التعثر والركود القاتلة تلك. ثم جاء الغزو الأميركي للعراق ليعلي مكانة ودور المسلمين الشيعة هناك كعامل ثان في تحريك التغيرات التي طرأت على الوضع الإقليمي. وكان طبيعياً أن يحفز ذلك الصعود المجموعات والكيانات الشيعية في الدول العربية الأخرى ويحضها على العمل, بما فيها بالطبع "حزب الله" نفسه في لبنان. أما ثالث العوامل فيتمثل في انتخاب الرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد, المعروف بنبرته المعادية لإسرائيل. وغني عن القول إن لكبار القادة الشيعة –من أمثال حسن نصر الله- علاقات وطيدة بإيران, بل ربما حثهم نجاد على التزام خط أكثر تشدداً في مواقفهم. ويضاف إلى هذه العوامل, بعد رابع يتلخص في صدور القرار الأممي رقم 1559 والقاضي بتسريح وإزالة كافة المليشيات العسكرية في لبنان, ما أرغم "حزب الله" على مواجهة خيار نزع أسلحته, وهو الذي ينسب إليه الفضل الأكبر في إجبار إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000. وعلى إثر الفوز الانتخابي الكاسح لحركة "حماس" في فلسطين وفتح مقاتليها جبهات قتال ومواجهات مع إسرائيل, فقد لاحت لحسن نصر الله، زعيم "حزب الله"، فرصة سانحة لفتح جبهة مواجهة حدودية ثانية مع إسرائيل, علماً بأنها الحملة التي اتخذت شكل غارات حدودية وإطلاق الصواريخ إلى داخل الأراضي الإسرائيلية. وكما سبق القول, فقد كان حسن نصرالله في مواجهة ضغوط دولية متصاعدة جراء القرار 1559 الداعي إلى تفكيك المليشيات المسلحة. ولذلك فقد رأى في فتح هذه الجبهة الثانية مع إسرائيل ذريعة يطيل بها أمد الاحتفاظ بالجناح العسكري لحزبه. والحقيقة أن "حزب الله" ظل يتلقى المساعدات والدعم المادي من كل من إيران وسوريا منذ لحظة تأسيسه. فقد أعجبت طهران بأدائه وعمله في أوساط الجماعات الشيعية اللبنانية, فضلاً عن غرسه أهداف التوجه الإسلامي في لبنان. أما دمشق فقد رأت فيه من جانبها تنظيماً يعزز ويخدم مصالحها الوطنية, إضافة إلى كونه قوة محلية موازية لحزب "أمل" الأكثر ميلاً لأميركا. ولذلك فليس مستبعداً أن يكون نصر الله قد حظي بتشجيع كل من طهران ودمشق على إشعال مواجهته الحالية مع تل أبيب. كما لا يستبعد أن يكون نجاد قد رأى في المواجهات والتصعيد هذين, مخرجاً مؤقتاً له وصرفاً للأنظار الدولية عن برنامج بلاده النووي, في حين لا يستبعد أن يكون نظيره السوري قد وجد في المواجهات ذاتها, مخرجاً مؤقتاً من حرج التحقيقات الجارية حول مصرع رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري, ولغيرها من حرج ومشكلات أخرى. على أنه يبقى القول أخيراً, إن السيد نصر الله قد أخطأ الحساب والتقدير بشكل فادح هذه المرة. ذلك أنه لن يتسنى له مطلقاً الفوز في سباق عسكري مع إسرائيل, وربما تتعرض منظمته إلى خسارة ودمار ماحقين، زد على ذلك كله سيل الانتقادات الغاضبة التي وجهت إليه من كبريات الدول العربية, وكيل الاتهامات له بإعطاء إسرائيل ذريعة لشن حرب مدبرة ومبيتة سلفاً, بما فيها استياء عدد لا يستهان به من اللبنانيين من العقوبة الإسرائيلية الجماعية التي سببها لهم بمواجهاته هذه.