نشرت إحدى الصحف العربية الصادرة في لندن، قبل فترة من الآن، دراسة بريطانية حول الأفراد الذين يتمكنون من تكديس الثروات بالجهد العقلي أو الفني أو خلاف ذلك من الوسائل الإبداعية المشروعة، مثل بيل غيتس وأقرانه, وأضحت الدراسة بأن لدى هذه العينة من الأفراد ما سمته الصحيفة "الذهب في الجينات"!, وهو يعني بالمختصر المفيد، حسب العقلية المشرقية الاتكالية, "أمراً ربانياً". وبتعبير أوضح ووفقا للمثل العربي السائر، والساري في عروق الثقافة العربية ذاتها، "اركض ركض الوحوش غير رزقك ما تحوش", ،أو بمعنى آخر "ما تتعبش نفسك"! والحقيقة أنه منذ أن ظهرت قصة "الجينات الذهبية", وأنا مقتنع كل الاقتناع بأن الإنسان غير مسؤول عن أفعاله, بدليل وجود جينات مسؤولة عن الإجرام والسلوك الانحرافي, وأخرى مسؤولة عن الإعاقة الجسدية, وثالثة عن طول العمر أو الشيخوخة وأعراضها... وقد بشرنا العلماء الأجانب مؤخراً بأن عمر الإنسان قد يطول, والإمكانية الوحيدة لانتهاء حياته مبكراً ستأتي إما من كونه يعيش في العالم العربي, أو إذا ما دهسته سيارة "سكس ويل", وهذا أيضاً لا يحدث إلا في العالم العربي, أو أن يعيش بأفكار أسامة بن لادن وجماعته. لكن للأمانة، فإن علماء الإنجليز أشاروا إلى إن الأمر يحتاج لبيئة مناسبة حتى تتمكن الجينات "الذهبية" من العمل بشكل مضبوط وجيد. بصراحة فإني شعرت بالفرح لما قرأت الخبر, وفوق هذا أقنعت نفسي أنه صحيح مائة بالمائة, بل واعتبرت أني شخصيا عثرت على "كنز علي بابا" أو "المغارة السحرية" التي لا تحتاج إلا إلى كلمة سر جديدة واحدة "افتحي يا جينات" بدلا من "افتح يا سمسم"... كيف ذلك؟ كفرد عربي يؤمن كل الإيمان بأهمية الحياة بلا مسؤولية ولا مصاعب (إذ تركنا ذلك لحكوماتنا), تقدم لي مسألة الجينات الحل السحري الذي أستطيع أن استخدمه في مختلف القضايا, سواء في ذلك إذا ضربت شخصاً ما "قليل الأدب" في الشارع, أو "تجاوزت" المال العام بضعة سنتيمترات, أقصد ملايين, أو إذا نقرت بالغلط على الحاسوب المعرّب, أو عملت أي شيء مكروه لا يرضي الخالق ولا المخلوق... ولنتخيل العالم وقد رمى بكل أثقال آثامه وجرائمه على الجينات... الجميع سيجلسون عاطلين عن العمل, وأولهم القضاة والمحامون, وسيصبح القول الفصل في كل قضية إنما هو للطبيب المختص...تخيل القاضي وهو يسأل الطبيب: ها دكتور... الجينات هي المسؤولة؟ يرد عليه الطبيب: نعم يا حضرة القاضي... هذا المتهم بريء, وليس له ذنب في الملايين التي أجبرته الجينات على سرقتها! والمرتشي أيضاً يحتج بالجينات... وما عليكم إلا الحساب. لكن بعيدا عن كل هذا الهزل, يعترف العلماء المختصون بهذا العلم الجديد (الحمد لله لا يستطيع أحد منا أن يحتج بوجوده في الحضارة الإسلامية أو بوجود مثيل له) بأن المسألة الجينية تثير إشكالات أخلاقية لا حصر لها. والغربيون حساسون تجاه المسألة الأخلاقية, ومثلهم في ذلك مثلنا نحن العرب, لأن مسألة الجينات تطرح تساؤلا أخلاقيا فيما لو ثبت أن أحد المتهمين بقضية اغتصاب غير مسؤول بسبب وجود "جين" في دمه يدفعه بشكل إكراهي للاغتصاب أو الاعتداء على الغير؟ ومن المتوقع أن تثير هذه القضايا الكثير من المشكلات القانونية والأخلاقية في المجتمع الغربي (يعني مثلنا بنو العربان). وفي جميع الأحوال نحن العرب بالانتظار, كما هي العادة. من جانب آخر يمكن لمسألة الجينات أن تحل لنا مشكلة العقلانية في مجتمعنا غير العقلاني... بمعنى أن يتم تجميع بني يعرب في مجموعات بشرية ثم يتم "تصديرهم" إلى الغرب لتزويدهم بجينة العقل, لعل وعسى هذا الجنون الذي يعصف بحياتنا أن يتوقف أو يهدأ, لكن إذا كان ذلك "العصف" مسألة "جينات" أيضاً, فليس أمامنا سوى الصبر باعتباره مفتاح الفرج... الذي قد يأتي وقد لا يأتي.