لم تكن الرحلة إلى الرباط للاشتراك فى مؤتمر حوار الثقافات الذي نظمته وزارة الثقافة المغربية فى الفترة من 11 إلى 13 ديسمبر الماضى سهلة ولا ميسورة· غادرنا مطار القاهرة فى الساعة الرابعة صباحاً لنصل الدار البيضاء الساعة السابعة والنصف بالتوقيت المغربي لتأخذنا سيارة المؤتمر مباشرة إلى قاعة المؤتمر في الرباط لنحضر الجلسة الافتتاحية قبل أن نستريح قليلاً من مشقة السفر!
انعقد المؤتمر في القاعة الكبرى للأكاديمية المغربية وهي من أجمل القاعات في العالم بقبتها الشاهقة التي ينبعث منها ضوء الشمس، وزخارفها المغربية البديعة، ونظام المقاعد الذي يجعل كل أعضاء المؤتمر يواجهون بعضهم بعضاً· وفق جدول أعمال المؤتمر كان مقرراً أن ألقي بحثي في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر وموضوعه (الحوار الحضاري العالمي رؤية ثقافية عربية)· وكان ترتيب حديثي الرابع بين المتحدثين، بعد افتتاح الأستاذ محمد الأشعري وزير الثقافة المغربي للمؤتمر بكلمة ضافية حاول أن يجيب فيها بعمق حول سؤال المؤتمر الرئيسي: هل حوار الثقافات ممكن؟
سبقني في الحديث عدد من أعضاء المؤتمر البارزين في مقدمتهم فريدريكو مايور السكرتير العام السابق لليونسكو· وعلى رغم إرهاقي من أثر الرحلة الطويلة إلا أنني ركزت تركيزاً شديداً على مضمون خطاب مايور وخطابات باقي المتحدثين في هذه الجلسة الافتتاحية وكلهم من المثقفين الغربيين، واكتشفت من خلال التحليل الفوري لخطاباتهم أنهم في الواقع يتبعون منهجاً سائداً بين هؤلاء المثقفين الغربيين الذين ينخرطون في حوارات ثقافية شتى سواء في أوروبا أو في العالم العربي أو حتى في الولايات المتحدة الأميركية· ويتمثل هذا المنهج أساساً في صياغة خطاب هلامي فضفاض زاخر بالتهويمات الفلسفية والشطحات الفكرية عن أهمية قبول الآخر، وفضيلة التسامح، وأهمية الحوار، مع تجنب التطرق للمشكلات الشائكة المطروحة على الساحة·
قال مايور في كلمته على سبيل المثال (هناك في العالم تنوع لا حدود له· وكل كائن إنساني يعد متفردا في كل لحظة من لحظات حياته من وجهة النظر البيولوجية وكذلك الثقافية· والتنوع هو أكبر ثروة تملكها الإنسانية، ويعطيها القوة بعض القيم الإنسانية العالمية· والعلاقات الكبرى بين الثقافات ينبغي تقويتها بانتظام من خلال الحوار، والاعتراف المتبادل· بغير ذلك فإن الاختلافات بين الثقافات أيا كان مصدرها يمكن أن تتعمق وتتجذر· ومن هنا فإنه من الأهمية بمكان الدفاع عن الهوية التى تعاد صياغتها باستمرار من خلال التأمل والتبادل والذي قد يؤدي إلى مخاطر التنميط والعزلة، وذلك من خلال الاتصال الثقافي المتبادل، بخلق فضاءات تسمح بحل الصراعات)·
ويمكن القول إنه عن طريق (التضامن الفكري والأخلاقي) كما نص على ذلك دستور اليونسكو يمكن بروز حقبة جديدة للديمقراطية على الصعيد العالمي مع الانتقال من ثقافة الفرض والعنف إلى ثقافة التسامح والأخوة والسلام·
وفي مواجهه مخاطر الكوكبة وعولمة الفكر، والهيمنة، فإن التنوع الثقافي يمكن أن يكون حجر الأساس في خلق عالم جديد ممكن، قادر على شق طرق جديدة، ورسم مستقبل يرقى لمستوى الكرامة الإنسانية، وهو مستقبل تستحقه الأجيال القادمة·
هذا هو ملخص كلمة فريديركو مايور كما وردت في المجلد الذي ضم ملخصات بحوث المشاركين ووزع على أعضاء المؤتمر· ولم تكن كلمته في الواقع إلا تنويعا على هذه الأفكار الرئيسية·
وهي أفكار - كما هو واضح، تتسم بالعمومية وصاحبها لم يتجاسر على التطرق للمشكلات الحقيقية المطروحة على العالم، سواء في مجال الأمن القومي، حيث تمارس الإمبراطورية الأميركية في حربها المعلنة ضد الإرهاب تهديداً مستمراً للأمن العالمي، أو مجال القضايا التى ينبغي طرحها في حوار الثقافات، وفي مقدمتها العلاقة بين الإسلام والغرب، وخصوصا بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، وقضية الشعب الفلسطيني الذي تواجهه الدولة الإسرائيلية العنصرية بحرب إبادة منظمة بعد استباحة ترابه الوطني، وقضية الاحتلال العسكري للعراق، وما تمثله من خطورة بالغة على أمن العالم العربي، بعد عودة الاستعمار من جديد محاولا بسط نفوذه على الدول العربية وممارسة الهيمنة المطلقة عليه·
وهكذا يمكن القول إنه حين حان دوري للحديث كان عليّ - وقد خططت لهذا المنهج منذ فترة - أن أقدم منظوراً جديداً لحوار الثقافات، مبنيا على خبرتي الطويلة في الموضوع·
لكل ذلك لم يكن غريبا أن أبدأ حديثي للمؤتمر بالتأكيد على أنه ليست هناك - حتى الآن - نظرية إبستمولوجية (معرفية) لحوار الثقافات، وليس هناك منهج متفق عليه لممارسته، ولا معايير يتم على أساسها اختيار موضوعاته·
ومن ناحية أخرى حرصت على حسم قضية خلافية تتعلق بالتفرقة بين الحضارة والثقافة· حيث قررت - وفقا لرأي غالب بين المهتمين بالموضوع - أننا في الواقع نعيش في ظل حضارة عالمية واحدة، بحكم سيادة الثورة العلمية والتكنولوجية وبسط الثورة الاتصالية لرواقها على الكون بأسره، مما جعل الاتصال الإنساني بين البشر والثقافات ينطلق لأو