يهدد تصاعد العنف واتساع دائرته في منطقة الشرق الأوسط خلال الأسابيع الثلاثة الماضية وهذين اليومين, بخروج المنطقة بأسرها عن السيطرة فيما لو استمرت الأوضاع الراهنة. وفي الوقت الذي تبدي فيه أوروبا قلقها على ما يجري, وترسل فيه الأمم المتحدة وفداً دولياً للتفاوض مع أطراف النزاع في المنطقة, تتخاذل الولايات المتحدة الأميركية وتتخلى عن دورها القيادي في لجم ما يجري أمامها, على رغم كونها الدولة الوحيدة القادرة على وضع حد لهذا التصعيد. يذكر أن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس, دعت إلى ضرورة كبح جماح العنف هذا, غير أنها لم تفعل ما يلزم لمساندة دعوتها وموقفها عملياً. إلى ذلك بدا الرئيس بوش أقرب من أن يكون متلبساً بمعطف إسرائيل, ومشجعاً لها بين صفوف المشجعين, من خلال إشارته بإصبع الاتهام إلى كل من حركة "حماس" و"حزب الله" وسوريا وإيران. وهي لا شك إشارة توفر لإسرائيل ما يلزمها من تفويض مطلق لممارسة ما تسميه بـ"حق الدفاع" عن نفسها! وهكذا يكتمل ما تفعله القوة الإسرائيلية المنفلتة, بثنائية مفارقة التعاطف والضغط الأميركية, مع العلم أن التعاطف ظل من نصيب إسرائيل دائماً, بينما كان الضغط من قدر العرب ونصيبهم باستمرار! ويقيناً فإن في توجيه أصابع الاتهام إلى مختلف الجهات– تنصلاً عن المسؤولية- هو ممارسة جارية ومعمول بها في دوائر صناع السياسات واتخاذ القرار, غير أنه لا يثمر ولا يجدي فتيلاً. والحقيقة التي لا بد منها أن اعتقال الجندي الإسرائيلي أو أسره من قبل بعض المتطرفين الفلسطينيين, والعنف الدائر الآن مع "حزب الله", هما حدثان لا يتجاوز مداهما حدود المساهمة الإضافية في تدهور وضع كان متدهوراً ومزعزعاً سلفاً. لكنهما وعلى رغم ذلك تحولا إلى ذريعة تواصل بموجبها إسرائيل هجومها الوحشي الضاري على مدى الأسبوع الثالث على قطاع غزة, وبها أيضاً بدأت حملتها الهادفة إلى تدمير البنية التحتية اللبنانية. ومع أننا نفهم حق ومشروعية الدفاع عن النفس, إلا أن ما يشكل علينا فهمه تماماً, هو إنزال العقوبة الجماعية على شعب بأسره, بجريرة فئة ضئيلة من أفراده أياً كانت. وما جدوى الكلام عن الحث على كبح جماح العنف وتقديم الدعم للأغلبيات العربية المعتدلة, ما لم يحقق غايته وأهدافه؟ فما هذا سوى كلام معسول لا يحقق أياً مما يرجى منه, وبذلك لن نكون قد فعلنا شيئاً سوى رفع القيود والكوابح, مما يعني إطلاق العنان للعنف وإضعاف موقف أولئك الذين ادعينا دعمهم ومؤازرتهم. هذا ومن رأي بعض المتشائمين إنه ليس في نية واشنطن ولا تل أبيب وضع حد لدوامة العنف أصلاً, وذلك لاعتقادهما بأن هذه الحملات العدوانية هي الكفيلة بوضع حد للإرهاب, وإلحاق الهزيمة العسكرية بكل من حركة "حماس" و"حزب الله". لكن وعلى رغم هذا, فإن ثمة أملا يحدو المرء في أن تكون إسرائيل قد تعلمت درساً أو درسين من سلسلة حملاتها الوحشية في لبنان, وكذلك درس جهودها الممتدة زهاء ثلاثة عقود, أملاً في قصم ظهر المقاومة الفلسطينية وإرغامها على ابتلاع حنظل الاحتلال والقبول به كواقع مفروض على الفلسطينيين. لكن وبالقدر ذاته, فإن ما يثير المخاوف والرعب, اعتقاد البعض في الجانب العربي ببطولة التفجيرات والعمليات الانتحارية وممارسات الخطف, على رغم حقيقة أن الإنجاز الوحيد لهذه الأفعال, هو شن المزيد من الحملات الوحشية وممارسة المزيد من القهر الإسرائيلي للعرب. وكما علمتنا دورات العنف السابقة, فما أن تنجلي المعركة ويخبو أوارها وتجف الدموع والدماء النازفة منها, حتى يسود الحزن العميق على جميع أولئك الذين سقطوا ضحايا لها من أحبابنا وأعزائنا, وحتى يتراءى لنا هول الدمار الذي خلفته المعركة مما يجب علينا إعادة بنائه. وفي تلك اللحظات لا يكون السلطان إلا للمزيد من الكراهية والتطرف في كلا الجانبين. ولا سبيل لوقف ما خلفته الأسابيع الثلاثة الماضية, إلا عزل المتطرفين وتعضيد موقف الأغلبيات العربية المعتدلة. وهل يتحقق أي من هذين الهدفين دون تحمل أميركا لدورها القيادي؟