تتلخص الأزمة الدولية الراهنة في كيفية التعامل مع كوريا الشمالية, على إثر الاختبارات الصاروخية أو ما يسمى "الألعاب النارية" التي ضبطت "بيونج يانج" توقيتها بالتزامن مع احتفال أميركا بعيدها القومي في الرابع من شهر يوليو الجاري. والمثير للاهتمام في هذه الأزمة أن الولايات المتحدة تراجعت عن تشددها السابق, وعمدت إلى تبني أسلوب آخر يقوم على التشاور مع بقية حلفائها بغية استئناف المحادثات السداسية بين بيونج يانج وجاراتها الآسيويات. والمعلوم أن أميركا هي أكثر دول العالم التي يستهدفها الدكتاتور الكوري الشمالي كيم جونغ إيل, ويبيت لها النوايا والمفاجآت. أما الدول الإقليمية الأكثر قلقاً بين جيران بيونج يانج فهي الصين وكوريا الجنوبية واليابان. غير أن لكل واحدة منها أجندتها وموقفها الخاص من كوريا الشمالية. وكانت الحكومة اليابانية هي الأعلى صوتاً واحتجاجاً على التجارب الصاروخية تلك. ويعود ذلك إلى مخاوفها الأمنية من جهة, وإلى تدهور علاقاتها مع بيونج يانج من جهة أخرى. يذكر أن كوريا الشمالية كانت قد اختطفت ما لا يقل عن 16 مواطناً يابانياً خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات, وقامت بترحيلهم إلى أراضيها لأسباب لا تزال مجهولة حتى الآن. ولم يكشف النقاب تماماً عن هذه الاختطافات إلا مؤخراً, ما أثار حساسية اليابان إلى أقصى درجاتها إزاء جارتها. ولهذا السبب فإنه ليس أمام الحكومة اليابانية من خيار آخر سوى مناهضة بيونج يانج والتصدي لها. وفي تلك المشاعر الوطنية اليابانية التي أحاطت بالمواطنين المختطفين, ما يعكس حالة مشابهة لما خالج الأميركيين إزاء اختفاء عدد من جنودهم وأسراهم إبان حرب فيتنام. ومن جراء هذه الأزمة وتداعياتها, فقد سعت اليابان إلى مراجعة دستورها لتدرس مدى قانونية توجيه ضربة استباقية إلى كوريا الشمالية. لكن وعلى نقيض هذا التصعيد الياباني للأزمة, لزمت كل من الصين وكوريا الجنوبية جانب الحذر والتروي, وعمدتا إلى التقليل من حجم الخطر الأمني الذي تمثله "ألاعيب كيم" النارية. وعلى الرغم من أن هاتين الجارتين لم تبديا أدنى موافقة أو رضاً عن تلك الألاعيب, إلا أنهما تقلقان كثيراً على أن تفلت الأزمة الراهنة عن السيطرة في لحظة ما, فيما لو استمر التصعيد مع الجارة الشمالية. يعرف عن كوريا الجنوبية أنها واصلت تبنيها لعدة سنوات سياسات "الشمس المشرقة" أملاً في حفز التفاهم والتعاون بينها وجارتها الشمالية, لا سيما في المجال الاقتصادي, بما يقلل من جنون العظمة والتفوق لدى الجارة الشمالية المدججة الخطيرة. وبين هذه وتلك ظلت الصين الدولة الإقليمية الوحيدة التي تمد كوريا الشمالية بالغذاء والوقود, علماً بأنهما مقومان رئيسيان لبقاء الدكتاتور "الشمالي". غير أن الصين وكوريا الجنوبية تتقاسمان كابوسين مشتركين بينهما ما أن يأتي ذكر بيونج يانج. أولهما الخوف من اشتعال حرب كورية أخرى مدمرة, لا تبقي ولا تذر, وأن تطال خسائرها الجوانب العسكرية وتسبب الكوارث الاقتصادية في كلتا الدولتين. وثانيهما ما يمكن أن يحدث لمنطقة شبه الجزيرة الكورية بأسرها فيما لو انهار الطاغية الشمالي على نحو مفاجئ ومن دون مقدمات, مثلما حدث في ألمانيا الشرقية عام 1989. ففي حال حدوث انهيار مفاجئ كهذا, فإن تكلفة إعادة بناء كوريا الشمالية ستكون باهظة للغاية, ولا بد للدولتين الجارتين –الصين وكوريا الجنوبية- أن تقتسما العبء معاً, إن أرادتا تجنب تدفق ملايين اللاجئين الكوريين الشماليين إلى أراضيهما. ومما لا شك فيه أن الأزمة الكورية الشمالية الراهنة ستفتح الحوار مجدداً هنا في الولايات المتحدة حول مستقبل الالتزامات العسكرية الأميركية البعيدة المدى إزاء منطقة شرقي آسيا. وهناك تباين في المواقف والرؤى إزاء هذه الالتزامات في دوائر واشنطن. فمن جهة يرى بعض المحافظين أنه ولطالما مضى ما يزيد على نصف القرن الآن على الحرب الكورية, فإن من الأفضل لأميركا أن تبدأ بسحب كافة جنودها وقواتها المرابطة في كوريا الجنوبية. ويجيء هذا الرأي متأثراً بضغوط الحرب على العراق وتزايد الالتزامات العسكرية الشرق أوسطية في الوقت الراهن. لكن ومن الجانب الآخر هناك من يقول إن سحب القوات من كوريا الجنوبية سيفتح الباب على مصراعيه أمام نهوض قوة عسكرية إقليمية جديدة هي اليابان, مما سينشأ عنه حمى تنافس عسكري جديد بين كل من بكين وطوكيو. وهكذا فقد تعين على الولايات المتحدة أن تبقى في خطوط النار الأمامية في حال اندلاع أي حرب محتملة في السياج الأمني العازل بين دولتي شبه الجزيرة الكورية.