لا أتصور أن إسرائيل حريصة إلى درجة كبيرة على حياة جنديها جلعاد شاليت، ولو كان ذلك صحيحاً ما سعت بهذه الصورة الوحشية لقتل الشعب الفلسطيني، وهي تدرك خطورة رد الفعل المحتمل على حياة الجندي الأسير في يد المقاومة الفلسطينية. إسرائيل في حقيقة الأمر تتحرك وفق استراتيجية إرهابية منظمة ومدروسة، تهدف إلى إبادة الشعب الفلسطيني ومحو فلسطين من الخريطة العربية والذاكرة العربية معاً، وهي تمارس ذلك بدعم كبير من الولايات المتحدة الأميركية وباقي الدول الغربية، بكل الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية... وذلك منذ ما يزيد على 50 عاماً. وكلنا نتذكر الإرهابي مناحيم بيجن رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي دخل قرية دير ياسين الفلسطينية وهو يقود الميليشيات الصهيونية، وذبح هو وعصابته الإرهابية معظم سكانها البالغ عددهم أربعمائة نسمة، وظل يتفاخر حتى آخر حياته بهذه المجزرة، ويقول في مذكراته: إنه لولا مجزرة دير ياسين لما كانت هناك إسرائيل، وإنه بعد دير ياسين تمكنت القوات الصهيونية من التقدم مثل "سكين ساخن في الزبدة". لذلك لا يجب أن نستغرب هذا السلوك الإجرامي الذي يحدث اليوم في أرض فلسطين والذي أصبح يأخذ شكل التوحش العسكري المستمر ضد الشعب الفلسطيني، رغم ظروفه الإنسانية شديدة القسوة، بسبب الحصار والإغلاق وسياسة التجويع التي تشارك فيها أطراف أخرى. ولذلك أيضاً لا نستغرب أن يزداد السلوك الإسرائيلي حدة كلما ازدادت شدة المقاومة ضد الاحتلال، وكلما سجل الفلسطينيون نقلة نوعية في عملياتهم، مثلما حدث في العملية الأخيرة التي تم خلالها أسر الجندي الإسرائيلي. إن مشكلتنا مع "إسرائيل"، تكمن في صورتها الصهيونية وفي الدور الذي أنشئت من أجله في قلب الأمة العربية، كونها تمثل "كلب حراسة" لخدمة الولايات المتحدة والغرب، منذ وعد بلفور، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية عندما أصبحت أميركا في حاجة إلى رصيد استراتيجي لتمددها في الشرق الأوسط، والذي يختزن أكبر ثروة مادية عرفها التاريخ وهي البترول. وهو الأمر الذي يتطلب قوة عسكرية ضاربة في المنطقة، وبناءً عسكرياً قادراً على حماية هذه المصالح المادية، وهذا ما وجدته أميركا في الكيان الصهيوني. وحسب دراسة حديثة صادرة عن جامعتي هارفارد وشيكاغو، فإن واشنطن زودت إسرائيل بين عامي 1973 و2003 بمعونات مالية مباشرة فاقت 140 مليار دولار، واستخدمت حق "الفيتو" في مجلس الأمن ضد القرارات التي تدين إسرائيل 32 مرة منذ عام 1982، أي أكثر مما استخدمته الدول ذات العضوية الدائمة في المجلس مجتمعة خلال الفترة نفسها. وفي تصريح نادر للرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان قال بالحرف الواحد: "مع توفر قوة عسكرية ذات خبرة، تكون إسرائيل قوة في الشرق الأوسط ذات فائدة حقيقية بالنسبة لنا، ولو لم تكن إسرائيل بتلك القوة لتعين علينا أن نوفر ذلك من جانبنا". إن الصهيونية كما وصفها "جون روز" في كتابه "أساطير صهيونية"، كانت تعتمد تماماً على رعاية القوة العظمى، وفي غضون ثلاث سنوات فقط من تأسيس إسرائيل، كان منظروها جاهزين للربط بين بقاء إسرائيل والمقاصد العدوانية لـ"القوى الغربية". وقد كتب الصحفي الإسرائيلي "جيروشوم شوكن" قائلاً: "إن تقوية إسرائيل تساعد القوى الغربية في الحفاظ على التوازن والاستقرار في الشرق الأوسط، يجب أن تصبح إسرائيل كلب حراسة ولا خوف من أن تنتهج أية سياسة عدوانية تجاه الدول العربية، إذا تعارض ذلك بشكل واضح مع رغبات الولايات المتحدة وبريطانيا، إذا حدث عداء لأي سبب كان على القوى الغربية أن تغمض عينيها، فإنه يمكن الاعتماد على إسرائيل لإنزال العقاب بدولة أو بعدة دول من بلدان الجوار التي يتخطى جفاؤها تجاه الغرب حدود المسموح به"! هذا ما يحدث الآن فعلياً على أرض الواقع في المنطقة العربية، حيث يعمل الكيان الصهيوني، بقوة كبيرة، على تحريك اللعبة السياسية في المنطقة، بما يخدم مصالح أميركا والغرب. وهو يتحرك الآن بقوة ووحشية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل مستخدماً كل الوسائل العسكرية المحرمة، بهدف قتل شعب وإسقاط حكومته المنتخبة. فهل يتحرك العرب ضد هذه الهجمة الخطيرة؟ وهل يستيقظون لخطورة الأهداف الاستراتيجية التي يتحرك على ضوء مخططاتها "كلب الحراسة" الصهيوني في المنطقة العربية؟