"نخب السلطة البريطانية" هو كتاب صدر حديثاً في نقد أداء النخب الحاكمة والنظر في بروز دورها وعودتها مجدداً إلى مراكز القيادة السياسية في بريطانيا. وباستعارتنا للغة الاقتصاد, فمن الممكن القول إن الكتاب دراسة في إنتاج وإعادة إنتاج النخب البريطانية الحاكمة. كيف يتم هذا وبأية أشكال ووسائل, وما هو الحكم الأخير على دور هذه النخب؟ كلها أسئلة أثارها وأجاب عنها هذا السفر الفكري لمؤلفه هاويل ويليامز. على أن الكتاب يقوم على فرضية "موت" النظام السياسي الحاكم في بريطانيا, مستخدماً مصطلحات ومناهج تحليل ما بعد الحداثة الأوروبية. ويبدأ المؤلف إثبات فرضيته هذه بإلقاء الضوء على الطريقة التي تحكم بها بريطانيا اليوم وليس الأمس, على اعتبار أن النظر إلى الحاضر هو ما يشف عن ماضي أداء القيادة والممارسة السياسية على مستوى أجهزة الدولة والحكم. وبهذا المدخل المقارن للدراسة السياسية, استطاع المؤلف أن يقيم أوجه الصلة والتشابه بين نظامي رئيسة الوزراء السابقة مارجريت تاتشر, ورئيس الوزراء الحالي توني بلير. ويقوم هذا التشابه في الأساس على إساءة استخدام السلطة المركزية واحتكارها من قبل القياديين المذكورين، من جهة، ومن جهة أخرى فقد شكلت الحرب الدائرة حالياً على العراق, بكل ما يعرف عن عظم الدور البريطاني فيها, قاعدة رئيسية لعقد مقارنة شبيهة بين حكومتي توني بلير وأنتوني إيدن لحظة مشاركة الأخير في العدوان الثلاثي على قناة السويس. وعلى حد قول المؤلف، فقد عقدت في التخطيط والتدبير لتلك المغامرة السياسية الحربية اجتماعات قصد منها ألا تكون مدونة وألا يوثق ما دار فيها. كما شابت المغامرة ذاتها ممارسة الكذب والتلفيق من جانب رئيس الوزراء في حينه, مصحوبة بتهرب الحكومة برمتها من تحمل المسؤولية وتبعات القرار الحربي الخطير الذي اتخذ باسمها. ومن رأي المؤلف أن الأساليب ذاتها هي التي وسمت أداء حكومة توني بلير في تحالفه الأخير مع الرئيس الأميركي جورج بوش, وغزوهما المشترك للعراق. وقال إنه لا يقلل من أهمية هذه الحقيقة, اعتراف بلير بالأخطاء التي صاحبت التخطيط للحرب, بما فيها زيف المزاعم والمبررات التي بنيت عليها! على أن انتقادات المؤلف للنخب البريطانية الحاكمة لا تقتصر على تناول واقع التجربة القيادية المعاصرة وحدها, وإنما يؤسس على هذه التجربة استراتيجيته الرامية إلى نزع الحجب والأقنعة عن وجوه رموز هذه النخب التي طالما أحاطت بها هالة البريق السياسي والإعجاب الشعبي على امتداد الحقب والأزمنة. وهنا يثير المؤلف ملاحظة مهمة حول القناعة الراسخة لدى هذه النخب باستحالة السيطرة على السوق, ما أقعدها عن دورها القيادي وحكم عليها بالعجز والفشل على امتداد ربع قرن كامل على أقل تقدير. بل يمضي الكاتب خطوة أبعد من هذا, بتشبيهه لأداء الطبقة الحاكمة بضرب من ضروب "السلوك اللااجتماعي"، أو المضاد للمجتمع تحرياً للدقة. وما هذا السلوك على حد قوله سوى شفرة سياسية خاصة لمعاقبة الطبقات والشرائح الاجتماعية الفقيرة تحديداً, بواسطة استخدام القوانين وأجهزة الحكم وأدواته. أما ما أسماه الكاتب بنهب المحفظة العامة للدولة بواسطة "المبادرة المالية الخاصة"، فقد عمد إلى وصفه كما يلي: "لقد جرى إطلاق لفظ الشراكة كلفظ تقليدي متكرر لوصف علاقة تتسم بالشره الكذوب الماكر من جانب الشركات وبيوت المال والاستثمار من جهة, وبوضع القادة السياسيين عيونهم على مصالحهم الشخصية الخاصة من جهة أخرى. ومما أخذه الكاتب على النخب إياها, إفراطها في حب القاموس العسكري واستخدام مصطلحاته ومفاهيمه عملياً على الأرض. وفي هذا يتحدث مطولاً عن تاريخ الحروب والتدخلات البريطانية في شؤون الدول الأجنبية, على اعتبار أن ذلك يعد جزءاً أصيلاً من تاريخ الممارسة السياسية المعاصرة, طوال أكثر من نصف قرن. ولما كانت هذه هي الوجهة العامة لمنهج الدراسة والتحليل في الكتاب, فليس مستغرباً أن يعمد المؤلف إلى اختتامه بمقطع شعري قصير للشاعر كيبلنج جاء فيه: أواه لو كانت إنجلترا واقعاً وليست بنتاً من بنات الأحلام. أواه لو لم تكن سوى معجون ونحاس وطلاء وصغائر, سرعان ما نسقطها ونمحوها من الذاكرة غير أنها لم تكن... لم تكن... لم تكن أواه! وهنا التقط الخيط قارئ ذكي للكتاب وقال معلقاً عليه كما يلي: "لو لم يكن هذا الكتاب, ذاك الذي أمّلت فيه أن يكون, لفضلت على نهايته تلك ونحن في بريطانيا ما بعد غزو العراق قولة الشاعر كيبلنج الأكثر غضباً وحنقاً على مصرع ابنه الحبيب في الحرب العالمية الثانية, في قصيدته الشهيرة التي حملت عنوان (رجل الدولة الميت) عام 1942: الآن وقد تبين زيف كل أكاذيبي فإن علىّ أن أواجه كل ضحاياي الذين سفكت دماؤهم ولكن أيّ قصة تشفع لي هنا أهو ابني الصبي المحروم الحانق؟!". ومن هذا التصور, يبدو أن جميع أبناء بريطانيا الذين سقطوا في عراق ما بعد الغزو, هم أحفاد للشاعر الحانق العظيم كيبلنج, بما أنهم جميعاً غادروا الحياة حاملين معهم حرمانهم وغضبهم إلى عالم "هاديس" السفلي. وفوق ذلك فهم جميعاً أبناء "الدولة الميتة" في التأويل العام للنص. عبد الجبار عبد الله الكتاب: نخب السلطة البريطانية: الميلاد الجديد للطبقة الحاكمة المؤلف: هاويل ويليامز الناشر: دار "كونستابل" للنشر تاريخ النشر: 2006