وفر عصر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر، وانتصار الأفكار الليبرالية في أوروبا في ذلك العصر، مسارات بديلة للتطور الاجتماعي والسياسي لليهود، كما وفر لهم إمكانيات الاندماج في أوروبا. ولكنه وفر لهم أيضاً شيئاً آخر لا يقل أهمية وهو إمكانية تحقيق طموحاتهم السياسية على أساس قومي. وقد اختار دعاة الحداثة بين اليهود وخصوصاً أولئك الموجودين في أوروبا الغربية الاندماج في أوطانهم. أما في بلدان أوروبا الشرقية فإن استمرار حملات اضطهاد وتعذيب اليهود في تلك البلدان، جعل اليهود الذين يعيشون هناك يرفضون الاندماج ويفضلون عليه الخيار القومي. كما وفرت الأفكار الجديدة التي عبر عنها مجموعة من المفكرين اليهود في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إمكانية تحقيق ذلك التحول من الاندماجية إلى الثورة الصهيونية وبلورته على أرض الواقع. من هؤلاء المفكرين "موسيز هيس" ( 1812-1875) الذي كان يؤمن مثلما آمن "هيجل" قبله بأن التاريخ عبارة عن عملية صراعية، وأن العالم على وشك دخول عصر جديد من النضج والتسويات السياسية. ففي كتابه المعنون "روما والقدس" يذهب "هيس" للقول إن القومية هي النمو التاريخي الطبيعي، وإن اليهود يمكنهم الانعتاق ولكنهم لن يُحترموا أبداً طالما قاموا بالتنكر لأصولهم، وإن استيعابهم في الدول التي يعيشون فيها لا يمثل حلاً. كما كتب في ذلك الكتاب يقول أيضاً: "لا الإصلاح، ولا التعليم ولا الانعتاق، قادرة على أن تفتح أمام يهود ألمانيا أبواب ممارسة حياتهم الاجتماعية". وأكد "هيس" كذلك على فكرة خطيرة هي أنه ما لم تكن لليهود أرض، فلن تكون لهم حياة قومية. كما كان مقتنعاً أيضاً بأن القوى الأوروبية ستستفيد إذا ما قدمت يد العون لليهود، وأن فرنسا على وجه التحديد تستطيع بعد إتمام حفر قناة السويس أن تساعد اليهود على بناء أول مستعمرة لهم على ضفاف تلك القناة. وهو ما يعتبر أول تعبير بهذا الوضوح عن الفكرة الصهيونية. ثم جاء من بعده" ليون بينكسر" ليعلن في كتابه المعنون" الانعتاق الذاتي" أن العلاج الوحيد والمنطقي لمشكلة اليهود هو خلق قومية يهودية أي خلق دولة يعيش اليهود عليها. ورأى بينكسر أن الأرض التي سيتم فيها ذلك التحرير أو الانعتاق الذاتي لليهود يجب أن تكون أرضاً منتِجة، وقادرة على استيعاب عدة ملايين، ولم يكن موقع تلك الأرض على ما يبدو يشكل أهمية بالنسبة له. وترأس بينكسر أول مؤتمر يهودي عالمي في بولندا حيث أعلن فيه عن رغبة اليهود في التأكيد على شخصيتهم المستقلة ورعى فكرة إقامة أول معسكرات يهودية زراعية في فلسطين. وعلى الرغم من أنه كان مهتماً بالصهيونية الزراعية إلا أنه لم يكن متحمساً بشأن ربط فكرة الوطن القومي لليهود بفلسطين تحديداً. وجاء بعد ذلك "تيودور هرتزل" الذي كان يؤمن بأن العداء للسامية هو قدر يهودي دائم، وغير قابل للتغيير. وفي إطار بحثه عن أرض كي يستعمرها، اختار الأرجنتين وقام بحملة مع يهود أغنياء لرعاية إقامة مستعمرة يهودية هناك. واعترف هرتزل بأن فكرة إقامة دولة يهودية قومية مستقلة لم تكن بالفكرة الجديدة وأن مساهمته في الفكرة تكمن في البرنامج العملي الذي يقترحه والذي يهدف من خلاله إلى تنظيم مجتمع يهودي ثم إقامة دولة منفصلة لليهود في نهاية المطاف. وكان هرتزل يعتقد أن اندماج اليهود في الدول التي كانوا يعيشون فيها قد فشل، لأن تلك الدول وبصرف النظر عن أنهم كانوا مخلصين لها، كانت تنظر إلى اليهود على أنهم غرباء عنها، لأن علاقات القوة في المجتمعات التي كان اليهود يعيشون فيها تميل إلى الأغلبية على حساب الأقلية. كان هرتزل مؤمناً بسياسات القوة، ومحتقراً للمبادئ الإنسانية التي جاء بها عصر التنوير، ومعارضاً لبعض أفكار ذلك العصر وخصوصاً تلك التي تقول إن" الأخوة الإنسانية حلم جميل". وكان مؤمناً في نفس الوقت إيماناً لا يتزعزع بأن الصراع والعنف هما السبيل لتحقيق الغايات".