تثير المطالب المتصاعدة باستقلال إقليم كوسوفو حالياً, سؤالاً ملحاً في جنوب القارة الأوروبية وبقية العالم قاطبة، مؤداه: هل بالإمكان تحقيق العدالة المطلقة تلبية لمصالح سياسية نسبية, أم تجوز التضحية بالقيم والمبادئ الديمقراطية الحقة من أجل الوصول إلى سلام شكلي نسبي؟ وفيما يتعلق بالحجج والمبررات التي أثارتها صربيا في وجه مطالب استقلال كوسوفو هذه, فقد باتت هذه الحجج معروفة للقاصي والداني. وهي حجج يصعب دحضها من وجهة نظر القانون الدولي. ذلك أنها تقوم على وثائق أساسية ومرتكزات ثابتة للنظام الدولي: ميثاق الأمم المتحدة, والنسخة النهائية لقانون هلسنكي, إلى جانب قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة. وبالمنطق العام فإنه لا يجوز مطلقاً حرمان دولة ديمقراطية من جزء أصيل من أراضيها, لمجرد تلبية طموحات مجموعة عرقية واحدة وإسكات تهديداتها بممارسة العنف. أقول إن هذا ليس مقبولاً من الناحية الأخلاقية فحسب, وإنما من زاوية التجربة التاريخية أيضاً. فقد دلت التجارب التاريخية المريرة دائماً, على أن محاولات إسكات التهديد بممارسة العنف واسترضاء القوى التي تهدد به, لن تسفر إلا عن استخدام المزيد والمزيد من العنف والفظائع, مهما كانت الترضيات والتنازلات المقدمة. وهناك حجة عملية أخرى غير متنازع عليها بالقدر ذاته مفادها أنه ليس في وسع كوسوفو المستقلة أن تتفادى تحولها إلى مصدر توتر مستمر في المنطقة برمتها, وذلك بسبب احتمال بروز مطالب أخرى شبيهة بالانفصال والاستقلال, إلى جانب عدم قدرة اقتصاد كوسوفو المستقلة على البقاء, إضافة لانتشار شبكة الجريمة المنظمة فيها. وفوق ذلك كله, تحافظ هذه الحجج المضادة لاستقلال كوسوفو على قوتها ومنطقيتها ذاتها, عند النظر إليها استراتيجياً وعلى المدى البعيد, وليس عند النظر إليها من زاوية المحافظة على استقرار منطقة البلقان آنياً فحسب. فمما لاشك فيه أن استقلال كوسوفو سيمثل سابقة تاريخية, تؤدي بالضرورة إلى بروز مطالب شبيهة في أنحاء أخرى من البلقان. وكل من يرى خلاف هذا, إنما يحاول التعامي عن حقائق الواقع وتجاهلها. وغني عن القول إن حل مشكلات القوميات عن طريق سياسة الاستقلال الذاتي–لاسيما مشكلات القوميات ذات الصلات والامتدادات في دول قريبة مجاورة– لابد من أن يسفر عن إحداث تغييرات سياسية حدودية, بكل ما تتضمنه هذه التغييرات من مخاطر وتعقيدات. وحتى إذا سلمنا جدلاً بتجاهل المجتمع الدولي لكل هذه الحجج والحقائق, فإنه لا مناص له من أن يأخذ في الاعتبار بالعواقب المحلية الداخلية التي ستترتب عن الاستقلال النهائي لكوسوفو على صربيا. ولنذكر في هذا أن صربيا تمكنت من التحرر من النظام الشيوعي, اعتماداً على جهودها الذاتية المضنية التي بذلتها من أجل تحقيق تلك الغاية. وبعد أن فعلت صربيا ما فعلت وقتئذ, فهل لها الآن وقد تحولت إلى نظام ديمقراطي, أن تصمت وتبارك اقتطاع 15 في المئة من أراضيها عنوة واقتداراً؟! وكيف لأي نظام ديمقراطي كان, أن يفسر لناخبيه ما حدث, وأن يطالبهم بالاستمرار في احترامهم لمبادئ التسامح العرقي والثقافي والديني, وكذلك احترام القيم الليبرالية والإرادة الشعبية المقدسة؟ وكيف لأي نظام ديمقراطي أن يطالب ناخبيه باحترام مبادئ حضارة التنوير الغربية, التي تحرروا باسمها من نير إمبراطورية الشر والشمولية الشيوعية القابضة؟! ولكي نضع الأمر في أبسط صوره وتجلياته: كيف لنا أن نتخيل بقاء ديمقراطية فتية ناشئة, استطاعت خلال ست سنوات فحسب, أن تحقق إنجازات شتى جبارة, سواء في تنمية اقتصادها, أم في بناء مؤسساتها, واحترامها لحقوق الإنسان, جنباً إلى جنب مع محاربتها للفساد وبناء علاقاتها الدولية, في ظل ظروف تهدد بتمزيقها وتقطيع أوصالها؟! والديمقراطية في صربيا –شأِنها في ذلك شأن كافة ديمقراطيات العالم- إنما تقوم في الأساس على مبدأ التساوي في الأرض, وعلى قاعدة ثقة مواطنيها. وفيما لو كف المواطنون عن إيمانهم بالقواعد والمبادئ الديمقراطية, ودب فيهم الشعور بأن تلك القواعد والمبادئ الديمقراطية إنما تسري على أمة دون الأخرى, وفي حال شعورهم بأن خيانة ما ترتكب بحقهم من قبل المؤسسات والأمم الكبرى, وفيما لو جرى تقويض وتخريب قواعد السلوك والعلاقات بين الأفراد والأمم على حد سواء, فإن كل ذلك مما يذهب بثقة الشعوب ويبدد يقينها الذي يقوم عليه النظام الديمقراطي. وفي سبيل الحفاظ على محافظة كوسوفو في إطار وحدة ترابها الوطني, فقد اتخذت صربيا من الخطوات والتدابير, ما يعبر عن قدر كبير من المعقولية والمرونة والإيجابية. ضمن ذلك أبدت صربيا استعدادها القبول بأي تنازلات تستدعي حل معضلة كوسوفو, خلافاً لفكرة الانفصال والاستقلال. كما وعدت صربيا بمنح العرقية الألبانية المسلمة أكبر قدر ممكن من الاستقلال الذاتي في إطار الوحدة الصربية, بما في ذلك السلطات التشريعية والتنفيذية, مقابل التزام كوسوفو بالحفاظ على وحدة التراب الوطني, وصيانة أمن المجموعات العرقية غير الألبانية في الإقليم. وفي إطار المساعي التي تبذلها صربيا من أجل حل معضلة كوسوفو, والحفاظ على وحدة التراب الوطني, إنما تعمل في سبيل الحفاظ على مبادئ العدالة والنظام الدوليين. وفي دفاعها عن جزء لا يتجزأ من أراضيها الوطنية, ربما كانت صربيا في مقدمة الدول المدافعة عن مستقبل الديمقراطية كنظام للحياة, ورؤية للعالم بأسره. فويسلاف كوستونيتشا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ رئيس وزراء صربيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"