في دراسة نشرت هذا الأسبوع في إحدى الدوريات العلمية المرموقة (Developmental Cell)، نجحت مجموعة من العلماء في جامعة "جورج-أوجست" (Georg-August) بمدينة "جوتنجن" الألمانية، في الحصول لأول مرة على حيوان منوي قادر على التخصيب والإنجاب، وباستخدام الخلايا الجذعية الجنينية. مثل هذا الاختراق، الذي تم على الفئران ليس إلا، من شأنه أن يفتح أبواباً جديدة للرجال الذين يعانون من مشاكل في قدرتهم على الإنجاب. بالإضافة إلى أن هذه التجربة، قد زادت من إدراك العلماء لطبيعة العمليات الحيوية أثناء نمو الجنين، وهو ما من شأنه أيضاً أن يزيد من قدرتهم المستقبلية على علاج طائفة واسعة من الأمراض باستخدام الخلايا الجذعية. وكانت التجربة قد بدأت بقيام علماء الجامعة الألمانية المذكورة بنزع بعض من الخلايا الجذعية من جنين فأر، لم يتعدَّ عمره بضعة أيام قليلة، ثم قاموا بإنماء تلك الخلايا في أطباق المعامل. وباستخدام جهاز تنسيق خاص، تمكنوا من فصل بعض الخلايا الجذعية، التي كان قد بدأ يظهر عليها دخولها في بدايات المسار المؤدي لإنتاج حيوانات منوية. وبعد تشجيع تلك الخلايا على النمو، وإنتاج حيوانات منوية ناضجة ومكتملة، قام العلماء بحقن الحيوانات المنوية الناتجة في بويضات مجموعة من الفئران. والمدهش أن الأجنة الناتجة من هذا التخصيب، نمت بشكل طبيعي، حيث تمت زراعتها في أرحام الفئران الإناث، لينتج في النهاية سبعة مواليد مكتملين. ولكن على الرغم من الإثارة التي صاحبت هذا الاختراق، وتمكن ستة من المواليد السبعة من الوصول إلى مرحلة البلوغ، إلا أن الكثير من العلماء قد أثاروا العديد من التحفظات على مدى سلامة وأمن مثل هذا الأسلوب. فجميع الفئران التي ولدت بهذا الأسلوب، أظهرت أنماطاً غير طبيعية في مراحل النمو، وصعوبة في التنفس، وغيرها من المشاكل الصحية، وهو ما دفع البعض إلى التحذير من أن مثل هذا الإجراء، والذي يقتصر حالياً على التجارب المعملية على الفئران، وداخل أنابيب الاختبار، لازال بعيداً بعدة سنوات عن أدنى حد من السلامة المقبولة للتطبيق البشري. ولكن مثل تلك المحاذير لن تستطع أن تئِد أحلام الكثير من الأزواج المصابين بالعقم، وهي المشكلة التي أصبحت تعزى إلى الرجال بشكل أكبر. فالواقع الحالي، والذي يعزو 40% من حالات العقم إلى الرجال، و40% إلى النساء، و20% إلى أسباب مشتركة، قد بدأ يتغير، حسب إحصائية صدرت الشهر الماضي عن الجمعية الأوروبية لعلم الأجنة والإنجاب (European Society for Human Reproduction and Embryology). فضمن الاجتماع السنوي للجمعية والذي عقد في مدينة "كوبنهاجن" قبل بضعة أسابيع، أظهرت الأرقام المستقاة من العلاج باستخدام التلقيح الخارجي "أطفال الأنابيب"، زيادة في نسبة الرجال الذين يخضعون لمثل هذا الأسلوب مقارنة بالنساء. ويفسر البعض هذه الزيادة المطردة في حالات العقم بين الرجال، بأنها من جراء أسباب عديدة، ربما يكون أهمها الانخفاض المتزايد في نوعية وعدد الحيوانات المنوية لدى الرجال. ففي دراسة شهيرة نشرت قبل عامين، ظهر انخفاض الخصوبة لدى الرجال بمقدار الثلث عما كانت عليه قبل أربعة عشر عاماً. ففي عام 1989 كان متوسط عدد الحيوانات المنوية لدى الرجل يبلغ 87 مليوناً في المليلتر الواحد من السائل المنوي، بينما بلغ متوسط عدد الحيوانات المنوية 62 مليوناً فقط في المليلتر في الدراسة في عام 2004، وهو ما يعني انخفاضاً قدره 30% خلال فترة عقد ونصف فقط من الزمان. وعلى رغم أن البعض عزا هذا الانخفاض الحاد إلى الزيادة الملحوظة في أعداد الرجال الذين أصبحوا يلجأون إلى عيادات الخصوبة والعقم، إلا أن الكثيرين يرون أن هذه الدراسة تؤكد الاعتقاد السائد بين الأوساط الطبية، بأن ذكور الجنس البشري يعانون من تدهور مستمر في خصوبتهم منذ عقود. هذا التدهور في عدد وحيوية الحيوانات المنوية لدى الرجل، يعزوه الأطباء إلى عدة عوامل منها السمنة وإدمان الكحوليات والمخدرات والشيخوخة. فالسمنة أو زيادة الوزن المفرط مثلاً، تعتبر من أهم الأسباب التي تؤثر سلباً على عدد وحيوية الحيوانات المنوية. ويبقى السؤال الملح في أذهان الرجال المصابين بانخفاض عدد وحيوية الحيوانات المنوية، أو حتى هؤلاء الذين يبدأون طريقهم نحو تكوين عائلة: ماذا يمكن فعله لزيادة عدد ونشاط هذه الكائنات المجهرية؟ إجابة هذا السؤال تقع في شقين: الشق الأول يتعلق بتجنب العوامل السلبية سابقة الذكر، مثل الكحوليات والمخدرات، مع الامتناع عن التدخين، والحفاظ على وزن مناسب. أما الشق الثاني، فيتعلق بالنصائح الإيجابية، مثل ممارسة الرياضة بانتظام، والاعتماد على نظام غذائي جيد، وهو ما من شأنه أن يزيد من حيوية ونشاط جميع خلايا الجسم، بما في ذلك الخلايا المنوية. وينصح البعض بالابتعاد عن المأكولات البحرية المحتوية على تركيزات مرتفعة من عنصر الزئبق، مع الاعتقاد بأن احتساء بعض القهوة قد يساعد على تنشيط وتنبيه الحيوانات المنوية. بينما يرى آخرون، أن الجلوس خلف مقعد القيادة لفترات طويلة في اليوم الواحد، أو التعرض لعوادم السيارات بكميات كبيرة، يؤثر سلباً على صحة وسلامة الحيوانات المنوية. وإذا لم يجدِ هذا وذاك، فيمكن دائماً الاعتماد على الأساليب الطبية من عقاقير وأدوية، أو ربما حتى اللجوء في المستقبل إلى حصد بعض الخلايا الجذعية، وتوجيهها نحو تكوين حيوانات منوية جديدة. د. أكمل عبد الحكيم