لا يبدو أن الأوضاع الكويتية آخذة في الانفراج كلياً, فحدة التوتر في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية تسير نحو المجهول، والطرفان لم يبديا إلى الآن ليونة في حل الأزمة العالقة بينهما. وبالرغم من التصريحات الصادرة عن أقطاب حكومية عبرت عن رغبتها في التعاون والعمل على طي صفحة الماضي، إلا أن الانقسام السياسي ربما هو عنوان المرحلة التي تعيشها الكويت الآن، فالحكم يرى المطالبة باستبعاد بعض الوزراء وخصوصاً الشيخ أحمد الفهد وزير الطاقة (وقد خرج فعلياً من التشكيلة الجديدة)، تعدياً على اختصاص السلطة التنفيذية وتدخّلاً في شؤونها، أما "كتلة التسعة والعشرين" نائباً المناهضة للحكومة، فقد وجدت خلال الأيام الماضية في التلويح بعودة الفهد بمثابة تصعيد للعلاقة بين السلطتين، مما أوشك أن يُدخل الكويت في حالة من عدم الاستقرار السياسي وربما الاحتقان تقود إلى مواجهات أكثر حدة. الصراع الدائر في الكويت لابد له من نهاية حميدة ولابد للحكماء على الجانبين من التدخل لحل الخلافات العالقة, ولابد للأطراف المتصارعة من تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية التي طغت في الآونة الأخيرة. الكويت لا تحتمل مزيداً من بؤر الاحتقان خاصة أن البلاد تعيش حالة من الجمود على أغلب المستويات، وكثير من مشاريع التنمية تم تعطيلها مما يعني أن الصراع الديمقراطي الذي تشهده الكويت جاء على حساب مصالح الناس. موضوع الفساد واستخدام النفوذ أحد أهم محاور الصراع, ويفترض من السلطتين اتخاذ خطوات عملية حيال ذلك إلا أن ما يثير الانتباه هو أن الصراع خرج من قنواته الدستورية عندما تم الرجوع إلى الشارع والخروج بمظاهرات تعلن رفضها للسياسة الحكومية. الحكومة بدورها لم تأخذ المبادرة في نزع فتيل الأزمة مما يعني تخاذلها في إنهاء حالة التأزم التي تعيشها الكويت. المراقب للأوضاع الكويتية يستخلص بأن الأزمة باقية وأن العلاقة بين السلطتين ستشهد مزيداً من التوتر. والخوف هو من أن تتصاعد حدة المواجهة بين الأطراف المتصارعة، حتى بعد تشكيل الحكومة، مما يدخل الكويت في متاهات تهدد الأمن الوطني. الصراع الدائر لبس الثوب التقليدي وتحول إلى ما نسميه معارك "كسر العظم" مما يهدد مسيرة الديمقراطية في الكويت. وتجسد الكويت نموذجاً لكثير من التناقضات التي أحدثتها الديمقراطية في مجتمع تحكمه التقليدية، ما يدعونا للتفكير في إيجاد حلول لأزمات قادمة لكي لا تتحول الديمقراطية إلى أداة هدم. وليس في وسع الحكومة الكويتية إلا تغليب العقل في حل الصراع الدائر وأن لا ينظر لما حدث على أنه انهزام لطرف من الأطراف, كما أنه من الحكمة ألا تعتبر المعارضة ما حققته كما لو كان انتصاراً مطلقاً لها. الحكمة في إدارة الصراع تصبح مطلباً ملحاً في المرحلة التي تمر بها الكويت، ولا يمكن إحداث نقلة نوعية في ظل محيط مضطرب وبالتالي على الأطراف المتصارعة مراعاة المحيط الجغرافي باعتباره أحد العوامل المؤثرة في الاستقرار الداخلي. لا نريد لعرس الديمقراطية في الكويت أن يتحول إلى ساحة استعراض للعضلات والفتوة, فالدول التي لا تملك إرثاً من قيم الديمقراطية عليها أن تعي أن أحد أهم سمات الديمقراطية يتطلب منا أن نفهم كيفية التعامل مع الخصم ضمن قنوات الصراع المتفق عليها وليس توظيف مخزون التراث التسلطي الذي حققنا فيه نجاحات باهرة عبر مراحل التاريخ العربي, فثمة فارق بين الديمقراطية وحفلات الثأر وما تجلبه معها من معارك كسر الأنف والعظم, فمعارك الثأر يطول الصراع فيها وتمتلئ النفوس خلالها بسهام الحقد والكراهية وترجعنا إلى قتال الصحراء بقيمها وتقضي على قيم المدن الإسمنتية التي عمَّرها النفط. ولعل مجلس الأمة الحالي، والذي جاءت به انتخابات 29 يونيو المنصرم، ينفض عن نفسه الغبار ويعي مسؤوليته التاريخية في مرحلة استثنائية.