قضيتا الخلل في التركيبة السكانية والزواج من الأجنبيات من القضايا أو بالأحرى من الهموم الاجتماعية والوطنية ذات الأولوية القصوى في دولة الإمارات، وهي طبعاً، من القضايا التي تحظى باهتمام إعلامي استثنائي، إلا أن الواضح أن بعض قنوات التوعية بأخطار هذه القضايا ومشاكلها، تحتاج إلى وقفة جادة وحقيقية لما بدأ يلحق من أساليب جديدة في معالجتها تأخذ طابع التهكم والسخرية لإفرازات تلك القضايا، باعتبار أن السخرية على "حالنا" هو مدخل لعلاج المشكلة. بداية، يجب أن يدرك من يناقش مثل هذه القضايا، أياً كان، أن هناك خصوصيات مجتمعية يجب عدم انتهاكها، سواء بحجة أنه أسلوب متداول بين المواطنين أو باعتباره، حقاً يراد به باطل. فقد قدر لي مؤخراً أن أحضر فعالية ثقافية حول هاتين القضيتين، وقد كان المكان مكتظاً بالحضور، وكالعادة، أغلبهم من المتلهفين على معرفة الآراء الإماراتية حول تلك القضايا، وبتلقائية وعفوية شديدتين، لا أحسد عليهما المحاضر، المتخصص في شؤون الإمارات والمطلع بتفاصيلها في أغلب الأحيان، تحدث عما ينتظر مجتمع الإمارات من تهديدات في هاتين القضيتين، وهو كان على حق في تلك الهواجس، وألمح إلى ما يمكن أن يراه الذي يسير على شوارع الإمارات من الأصناف المختلفة من البشر "أشكال وأنواع"، يقصد مواطني دولة الإمارات، طبعاً، كإفرازات للزواج من الأجنبيات، وصوّر -المحاضر- مجتمع الإمارات وكأنه خليط من الأشكال والألوان، مع تلميح، مبطن، يفهم منه أن المجتمعات الأخرى لا تعاني منه. وما أثار حفيظتي، عندما بدأ البعض ينظر للآخر وهو يحاول أن يمنع ضحكة أثناء طرح آثار تلك القضايا، وهي رغم أنها جدية التناول فيها إلا أنه يصعب تقبل طريقة التناول، التي فيها سخرية على مواطني الدولة، وهذا غير مقبول. لم يدرك البعض مكان الخطأ في كلام المحاضر، باعتبار أن المطروح شيء متداول على الساحة المحلية ويتناوله الجميع، ولكن من خلال المناقشة تأكد لهم أن هناك خطأ وقع فيه المحاضر، وكان يجب ألا يقع فيه!! صحيح أن سياق المحاضرة ومضمون الطرح فيها أمر اعتيادي ويناقشه المثقفون الإماراتيون أنفسهم قبل غيرهم، وهنا مكمن المشكلة فكثيراً ما نرى طروحات إماراتية لقضايا وطنية تأخذ صيغة التهكم والسخرية دون تفنيد أو غربلة وانتباه للضرر الذي يصاحب بعضها بل إن غيرها يكتسح الذوق واحترام الآخرين، فأذكر أني قرأت، منذ فترة، مقالات للرأي في صحيفة محلية يتهكم فيها على مواطني الدولة من أبناء الآسيويات، لذا إذا كان البعض من الإخوة الوافدين هم ضحية ثقافة سائدة بين بعض من مثقفي الإمارات في معالجة قضاياهم يكون من المهم معالجة تلك الذهنية التي بالغت في تكريس السخرية ممن هم متزوجون من غير الإماراتيات. فتدارك هذا الخطاب أمر مهم قبل أن يكون موضوعاً قابلاً للطرح أمام جمهور كبير بالطريقة الساخرة، فمعالجة القضايا الإماراتية يجب ألا يصاحبها تعريض الآخرين للسخرية بطريقة رسمية!!. والخوف هنا أن يرسخ هذا المنطق الجديد في الوعي والعقل الشعبي مما قد يشكل وعياً غير صحيح بل ومغلوطاً لدى الآخرين ممن هم غير واعين بالمجتمع الإماراتي. تأكد لي بالبرهان أن التأخر في علاج مشكلة ما من شأنه، تعقيدها وبالتالي أن يحولها إلى مجال للسخرية والتندر من قبل البعض، كما تأكد لي أيضاً أن بعض المثقفين والإعلاميين ومنهم الإماراتيون يساهمون، ربما دون قصد، في الإبداع بخلق مشكلة أخرى بدلاً من أن يساهموا في علاج قضايا يحتاج معها التناول الحذر، والدقة، والتوازن. وأعتقد أنه إذا استمر الوضع بهذه الطريقة فإننا سنعمل على تشكيل ثقافة وفكر غير جيدين على المدى البعيد. فمرور زمن طويل دون وضع علاج لقضايانا هو ما دفع بأن يكون المخرج حولها عن طريق تحويلها إلى "نكتة" أو الاستخفاف!!. إن مناقشة القضايا الوطنية لدولة الإمارات وعرض نتائجها ومساوئها للبحث عن علاجات لها عمل مهم ونحتاجه بشكل مستمر إلا أن التوعية بهذه القضايا يجب ألا تكون على حساب جدية الطرح فيها والتقليل من حجم "الهموم".