أصبحت الصواريخ الكورية الشمالية التي سقطت في بحر اليابان الأسبوع الماضي مادة لكثير من النكات كونها لم تصوب بشكل جيد، غير أنها شكلت أيضاً تذكيراً بأن كوريا الشمالية فندت أزيد من عقد من التكهنات التي توقعت أنها ستضعف وتندثر. والواقع أن فرص التعامل معها تبدو قليلة اليوم أيضاً. ولكن ما الذي يمكن أن يحدث مستقبلاً؟ الحقيقة أن الجانبين وضعا على مدى عدة سنوات مخططات لكل الاحتمالات الممكنة من المفاوضات إلى القصف، ومن التعايش إلى الانهيار. وفي ما يلي بعضها أولاً: المحادثات الثنائية: يقول منتقدو بوش إن عليه أن يحذو حذو الرئيس كلينتون، أي أن يتفاوض مباشرة مع الكوريين الشماليين. ذلك أنها كانت الطريقة التي أفضت إلى "اتفاق الإطار" عام 1994 عندما وافقت كوريا الشمالية على تجميد برنامجها النووي مقابل وقود النفط، ومفاعلات الماء الخفيف بهدف إنتاج الطاقة مستقبلاً. غير أن الاتفاق سرعان ما قُبر. وحسب بوش، فقد بدأ الكوريون الشماليون في نقض اتفاق 1994 على الفور تقريباً. غير أن ما يخشاه هو أنه في حال تفاوضت الولايات المتحدة بشكل منفرد، فإنها قد تحمل مسؤولية فشلها في حال تعثرت المحادثات. ولذلك يشدد على ضرورة أن تشارك الصين وكوريا الجنوبية –اللتان ترفضان التعامل بصرامة مع الشماليين وإن كان لديهما الكثير لتخسراه- في هذه المحادثات. وفي هذا الإطار، قال يوم الجمعة في شيكاغو إن "التفاوض بشكل منفرد يعني نفاد الخيارات بسرعة"، وخصوصاً إذا نجح الشماليون في "قلب الطاولة وجعل بلد مثل الولايات المتحد هو المشكلة". والواقع أن بوش على حق، ذلك أن من شأن المفاوضات الثنائية أن تؤدي إلى تغير الدينامية، إذ من المرجح أن تصف الصين وكوريا الجنوبية واشنطن بالعقبة. غير أن الجانب السلبي في مقاربة بوش هو أنه عندما تشارك ست دول في المحادثات، فإن الوضوح يصبح الضحية الأولى. كما سيتيح ذلك للشماليين إمكانية التلاعب ببلد ضد الآخر. وبالتالي، فلا غرابة في أن تكون نتيجة ثلاث سنوات من المحادثات اتفاقية مبدئية تفتقر إلى جدول زمني، يؤولها كل طرف على طريقته الخاصة. ضرب "يونغبيون": عندما هددت كوريا الشمالية في 1994 بطرد المفتشين الدوليين وتحويل مخزونها من وقود المفاعل النووي المستعمل إلى بلوتونيوم للأسلحة، دعا "برنت سكوكروفت"، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس بوش الأب إلى اعتماد الوقائية، معتبراً أنه سيكون من الأفضل تدمير منشآت كوريا الشمالية النووية في "يونغبيون" بدلاً من ترك البلد يمضي في صنع ترسانة نووية. وقد وجد هذا المقترح صدىً له في البيت الأبيض. وفي هذا السياق، قال ويليام بيري، وزير الدفاع وقتذاك: "أعتقد أن الرئيس كلينتون كان مستعداً للقيام بذلك". ولكن ماذا عن اليوم؟ العديدون يعتقدون أنه قد فات الأوان. فحسب تقديرات "وكالة الاستخبارات المركزية"، تتوفر كوريا الشمالية اليوم على ما يكفي من الوقود لصنع ست قنابل أو أكثر، وهي تنتج تقريباً ما يعادل قنبلة كل سنة. (غير أنه من غير المعروف ما إن كانوا قد نجحوا في تحويل الوقود إلى قنابل). ولكن بيونغ يانغ يمكنها أن تخفي الوقود في أي مكان مثل الكهوف أو الأنفاق أو خزانة أحذية "كيم جونغ". علاوة على ذلك، فقد اتهمت الولايات المتحدة كوريا الشمالية ببدء برنامج أسلحة نووية ثانٍ باستعمال اليورانيوم هذه المرة، ومساعدة عالم الذرة الباكستاني عبدالقدير خان، وهو ما يجعل من القصف أمراً عديم الجدوى. الكابوس: يُشكل تسلسل الأحداث مصدر قلق بالنسبة لإدارة بوش. فبغض النظر عما إن كان مصيباً أم مخطئاً، يعتقد البنتاغون أنه لما كان البقاءُ في السلطة هو أكثر ما يهم "كيم"، فإنه لن يجازف بشن هجوم مخافة الرد. غير أن الزعيم الكوري الشمالي قد يجد نفسه قريباً وبحوزته فائض صغير من أكثر الأسلحة المرغوب فيها عالميا، إذ قدر "ديفيد أولبرايت" و"بول برانان" من "معهد العلوم والأمن الدولي" في تقرير حديث لهما أن مخزون كوريا الشمالية من البلوتونيوم "كافٍ لصنع ما بين 4 و13 قنبلة". والواقع أن البُلدان التي تتوفر على أربع قنابل ربما لا ترغب في التخلي عن أي منها، غير أنه عندما يكون لهذا البلد عدد كافٍ منها يفوق "اثنتي عشرت" مثلاً –ولاسيما أن البلد مفلس- فالأكيد أن السوق السوداء تبدو جذابة ومغرية. التعايش: ثم هناك استراتيجية كوبا والتي تقوم على انتظار زوال سلالة "كيم" وتمني أن تنتهي دولة كوريا الشمالية الجائعة والمفلسة والحافلة بمخيمات السَّخرة والأشغال الإجبارية إلى الانهيار. ذلك أن كوريا الشمالية ليست في وضع يسمح لها بتهديد أحد. صحيح أن جيشها يعد من أكبر الجيوش في العالم، إلا أنه لا يستطيع تدريب طياريه. ثم إن فكرة أنه قد يستأنف الحرب في شبه الجزيرة الكورية، التي ظلت احتمالاً قائماً إلى أوائل التسعينيات، تبدو مضحكة نوعاً ما اليوم. وصدق هنا قول ديك تشيني ذات يوم: "الوقت ليس لصالحنا". ثم إن الخبراء يرون أن الأمر قد يستغرق سنوات، غير أنهم سيتمكنون في الأخير من تطوير صاروخ "تايبودونغ 2" ذاك، وربما يتوصلون إلى طريقة لتصغير رأس حربية يمكن للصاروخ حملها. ولذلك يقوم البنتاغون بمسح كل زاوية في البلد محاولاً التوصل إلى كيفية التعامل مع انفجار نووي في وقت يتحدث فيه بوش عن حل دبلوماسي. ولذلك أيضاً يخشى الصينيون والكوريون الجنوبيون انهياراً –لأن الشيء الأشد قسوة من امتلاك كوريا الشمالية لسلاح نووي هو أن يجد المرء نفسه مضطراً للتعامل مع ملايين اللاجئين الجوعى والحائرين المتوجهين إلى سيئول وطوكيو. ـــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"