في مقالات سابقة،أوضحنا حجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي تكبدها الاقتصاد الإسرائيلي جراء انتفاضة الأقصى. وسنحاول هنا استعراض أثر السياسات والممارسات الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني. فمنذ بدء الانتفاضة وما سبقها وتبعها من قمع إسرائيلي (قتل وتدمير وحصار وإغلاق ومنع تجول··· إلخ) عانى الشعب الفلسطيني من خسائر بشرية، إضافة إلى تدمير واسع طال البشر والشجر والحجر في المدن والقرى والمخيمات طامسا معالم البنى التحتية، علاوة على زج الآلاف في السجون والمعتقلات الإسرائيلية مما أدى إلى إيذاء وخلخلة البنيان الاجتماعي والاقتصادي للفلسطينيين. ومع أنه، من الناحية الاقتصادية البحتة، لا يسعنا القول إن هناك اقتصادا فلسطينيا مثل اقتصاد أي بلد عادي، فإن من الضروري إيضاح حقيقة أنه اقتصاد تابع بشكل كبير للاقتصاد الإسرائيلي. فالضفة الغربية وقطاع غزة أصبحا يشكلان الفناء الخلفي للاقتصاد الإسرائيلي. كما أن السلطة الفلسطينية لا تستطيع التحكم (بحدودها) أو بتحصيل الرسوم الجمركية على الحدود، علما بأن الجزء الأكبر من الواردات الفلسطينية يأتي من الدولة العبرية. فبموجب اتفاق باريس (1994) تتحكم (إسرائيل) بأكثر من (70%) من إيرادات السلطة الفلسطينية وتقوم بتحصيل ضريبة الدخل من العمال الفلسطينيين العاملين داخل أراضي حدود 1948، كما تتحكم في الموارد الطبيعية ومن أهمها المياه، وتسيطر على دخول وخروج السلع والخامات والمواد الأولية والصادرات والواردات. وينسجم هذا مع جهد الدولة الصهيونية منذ احتلال 1967 لكي يصبح الاقتصاد الفلسطيني تابعا بصورة شبه كلية للاقتصاد الإسرائيلي!
يشير تقرير للبنك الدولي بأن الاقتصاد الفلسطيني، الذي لا يزال مستمرا وإن بصعوبة بالغة، موشك على الانهيار التام بسبب سياسات القمع الإسرائيلية ويعود السبب في ذلك (الاستمرار) إلى مساعدات الدول المانحة مما يمكن السلطة من دفع رواتب ثلث القوة العاملة أي حوالى (125.000) موظف وتقديم الخدمات الأساسية للسكان. والجدير بالذكر أنه، في عام 2001، قدمت الدول المانحة للسلطة الفلسطينية (929) مليون دولار أي ضعف ما كانت تقدمه قبل اندلاع الانتفاضة. وفي عام 2002، ارتفع المبلغ إلى أكثر من مليار دولار. ولأن الأرقام هي أبلغ من كل كلام، نسجل أن الاقتصاد الفلسطيني خسر مـن أيام العمـل ما قيمته (650) مليون دولار في السنة الماضية فقط. ومن أصل (125.000) عامل فلسطيني اشتغلوا في (إسرائيل) قبل اندلاع الانتفاضة، انخفض العدد إلى أقـل من(32.000) مما يعني أن آلاف العائلات الفلسطينية فقدت مورد رزقها الوحيد، الأمر الذي عمّم الفقر وزاد البطالة. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن 60% من الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر، بعد أن كانت النسبة لا تتجاوز (21%) قبل العدوان الإسرائيلي واندلاع الانتفاضة. وإذا أخذنا في الاعتبار الزيادة السنوية المرتفعة للسكان، فإن عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر قد تضاعف ثلاث مرات أي من (637.000) إلى حوالى المليونين. ويشير تقرير للبنك الدولي بأن حـوالى (75%) من سكان قطاع غزة يصنفون الآن كفقراء. وكما هو متوقع، أدى انتشار الفقر إلى انعكاسات سياسية واجتماعية خطيرة على المجتمع الفلسطيني أبرزها خطر (تشجيع الهجرة)، الأمر الذي سعت إليه مختلف الحكومات في (إسرائيل). كما أدى ذلك الوضع إلى ظهور وتفاقم آفات خطيرة كانت نادرة الحدوث في المجتمع الفلسطيني مثل تشكل عصابات للسرقة وازدياد ملحوظ في كم ونوع السرقات وجرائم القتل.
وعلى مستويات مختلفة، فإن الواقع الصحي للفلسطينيين ليس بأفضل حال بسبب انخفاض استهلاك الطعام بنسبة (30%) وتشير إحدى الاحصائيات إلى أن حوالى (13.3%) من سكان قطاع غزة يعانون من سوء التغذية مما يجعل (القطاع) المنكوب مساويا لبلد مثل زيمبابوي وهي إحدى أفقر بلدان العالم. وقد حذرت مبعوثة للأمم المتحدة من وقوع أزمة إنسانية خطيرة بين الفلسطينيين إثر التدهور السريع في الأحوال المعيشية في الأراضي المحتلة الناتج عن استمرار الحصار والقمع الإسرائيليين. وبحسب معطيات صادرة عن وزارة الزراعة الفلسطينية، فإن الخسارة في القطاع الزراعي تقدر بنحو (704) ملايين دولار منها (168) مليون دولار ناتجة عن اقتلاع الأشجار وتدمير البيوت البلاستيكية والمنشآت الزراعية على مختلف أنواعها. وعلى صعيد عام، أفاد تقرير للأمم المتحدة أن الاقتصاد الفلسطيني خسر خلال السنة والنصف الأولى من الانتفاضة ما يعادل نصف ناتجه المحلي السنوي. وقدرت سلطة النقد الفلسطينية خسائر الاقتصـاد الفلسطيني، المباشرة وغير المباشرة منذ انـدلاع الانتفاضة، بحـوالى (7.33) مليار دولار. وكان (طبيعيا) أن يحدث ذلك في ظل الممارسات الإسرائيلية في مجال الزراعة الحيوي، وبخاصة أن سلطات الاحتلال قامت بتجريف نحو (13) ألف دونم من الأراضي المزروعة بمختلف أنواع المحاصيل الزراعية كما اقتلعت أكثر من (26.750) شجرة زيتون ودمرت معظم آبار المياه التي يعتمد عليها الفلاحون الفلسطينيون. وهذه الإجراءات و