نعم هذا هو "الشعار الدائم" والمبدأ الذي تتمسك به أي حكومة إسرائيلية في تعاملها مع الفلسطينيين... وعلى المتضرر أن يهرب أو "ينتحر"، والعالم يتبع بنان أميركا في دفاعها عن نشاط الإبادة الإسرائيلي للفلسطينيين الذي تراه دفاعاً شرعياً لبقاء إسرائيل، بينما العرب وحدهم هم المهمومون بالقضية الفلسطينية، وليست أي جهة أخرى بمن في ذلك الأصدقاء والحلفاء والشركاء المفترضون في اتفاقيات السلام والاستسلام وفرض الأمر الواقع. ومن يتذكر بداية المسألة اليهودية والبحث عن وطن قومي لليهود منذ منتصف القرن التاسع عشر، ويتابع تطور الأحداث إلى ما وصلنا إليه اليوم، سيجد أن التاريخ بمراحله المختلفة يؤكد أن العرب قد دفعوا وحدهم، ولا يزالون يدفعون، ثمن إقامة هذا "الوطن"، وأنهم الذين يتحملون تداعيات وأعباء ما حدث، وأصبح عليهم البحث عن الحقوق الفلسطينية الضائعة. وما الأحداث الأخيرة في عملية "أمطار الصيف" التي تشنها القوات الإسرائيلية بلا رحمة ضد الفلسطينيين العزل، سوى حلقة من المسلسل المستمر من "أمطار" و"سيول" و"موجات" القنابل والقذائف والصواريخ التي تطلقها القوات الإسرائيلية لإبادة الشعب الفلسطيني. فإسرائيل ومن ورائها يهود العالم والمجتمع الدولي تهتم بأمنها المطلق فقط، وبالحفاظ على أرواح شعبها وحده، ولا يهمها أي شيء آخر، فلا اعتراف بقرارات دولية، ولا احترام لمواثيق إنسانية، ولا اكتراث بأي موقف خارجي يعارض استخدامها المفرط للقوة العسكرية القاهرة، ورغم ذلك كله لم تتخذ منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها أي إجراء لمعاقبة إسرائيل على عدم التزامها بقراراتها أو لسحقها المعاهدات الدولية، بينما جرى إجبار العرب وحدهم على الالتزام بالقرارات الدولية جميعها. تفعل إسرائيل ومستوطنوها بالفلسطينيين وأرضهم ما تشاء وفي أي وقت وتحت أي ظرف، ولا يتورعون عن استباحة ممتلكاتهم ومزارعهم بل وتجاوز الخطوط الحمراء كلها في عملية الاستئصال والإبادة للشعب الفلسطيني، ولا يهمهم سلام أو استسلام أو إذعان، فكل فلسطيني إرهابي والعكس صحيح حيث كل إرهابي فلسطيني سواء أكان صغيراً أم كهلاً، ذكراً أم أنثى، لأن المطلوب هو القضاء التام عليهم. ولكن من أكثر الأمور غرابة وانقلاباً للأوضاع أن العالم يقف إلى جوار المعتدي ضد الضحية بل ويندد بصراخها وشكواها مما تواجهه من آلام مادية ومعنوية ونفسية! لقد استطاعت الآلة الإعلامية العالمية التي يسيطر عليها اليهود أو من يتعاطفون معهم أو حتى من يريدون التخلص منهم ودفعهم للذهاب إلى أرض "المعاد" وفق عقيدة "المسيحية الصهيونية"، أن تقلب الحقائق وتزوّر الأدلة وتجعل من الجاني مجنياً عليه ومن الضحية التي تقطر دماً "إرهابياً" يقف ضد "إنسانية" القوات الإسرائيلية، والدليل أنه يتمسك بثقافة "الانتحار" بديلاً من ثقافة "الحياة"، أما مسألة تشريد وقتل الأطفال الفلسطينيين، فالموضوع لا يخرج عن كونه "خطأ" لأنهم موجودون في "المكان الخطأ والتوقيت الخاطئ" أو لأنهم يرون السماء تمطر قذائف وصواريخ ولا يتجنبونها! أما حال الدول الكبرى والعظمى فلا يختلف كثيراً، خاصة أنها المسؤولة عن إقامة دولة على أساس طائفي ديني، وتكفلت برعايتها مدى الحياة، وفتحت ترسانة أسلحتها لتغرف منها ما تشاء، وقدمت لها المساعدات بلا حدود، وساندتها في المحافل الدولية، وقدمت لها الغطاء الذي تستر به أعمالها الإجرامية ضد الإنسانية. الذين يقولون إن العالم يقف متفرجاً على ما حدث ويحدث للفلسطينيين، مخطئون، لأن العالم يشارك في ذلك، تارة بالدعم المباشر لإسرائيل، وتارة أخرى بإنكار حق الفلسطينيين في الدفاع عن وجودهم وفي أن يكون لهم وطن. ولكن لم يكن النجاح "الإسرائيلي-اليهودي-الصهيوني" وحده هو السبب فيما وصلت إليه الأمور الآن، فلقد أخطأ الفلسطينيون والعرب بحق قضيتهم المصيرية، رغم طول فترة الصراع وتشعب قضاياه وافتراض وجود خبرة كافية لدى الفلسطينيين في إدارته وفهم خباياه. لقد وقع الفلسطينيون في أخطاء عدة أهمها: * عدم وجود أطر سياسية واضحة للانتفاضات الفلسطينية المختلفة، بحيث يكون لأي انتفاضة هدف سياسي واضح ومحدد يمكن المقايضة عليه ولو مرحلياً. * عدم وجود اتفاق واضح بين الفصائل الفلسطينية على الخطوط العامة للأهداف السياسية للكفاح الفلسطيني المسلح. * افتقاد الصف الفلسطيني الإجماع الوطني والاتفاق العام على قضايا التفاوض وحدها الأعلى والأدنى للمساومة. * ضعف العلاقات الفلسطينية-العربية عامة، وعلاقات الفصائل الفلسطينية مع الدول العربية على وجه الخصوص، فكل طرف يتصرف منفرداً. * لم يستطع الكفاح الفلسطيني بتياراته كلها أن يوضح موقفه إعلامياً بحيث يكسب الرأي العام العالمي باعتباره "كفاحاً ضد الاحتلال". * كرست بعض الفصائل الفلسطينية صورة "العمل الإرهابي" بديلاً لصورة "التضحية بالنفس" من أجل الوطن. * سعى كل "فصيل" ليكون له دور في السلطة لحكم الفلسطينيين دون النظر إلى ضرورة احترام إرادة الشعب الفلسطيني في اختيار من يمثله. * أخطأت السلطة الفلسطينية في حساباتها العربية عندما فقدت التوازن في إقامة هذه العلاقات وتحيزت إلى طرف على حساب أطراف أخرى مما أثار عداوات ليست في مصلحتها. * ساعد الفلسطينيون بسلوكهم بطريق غير مباشر دعاوى إسرائيل بعدم وجود شريك فلسطيني موثوق به للتفاوض معها. أما على المستوى العربي فإن الأخطاء كثيرة من أبرزها: * رغم صدور قرارات من القمة العربية تحمل في طياتها موقفاً عربياً موحداً تجاه استراتيجية الحل السلمي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فإنه لا توجد إجراءات واقعية لضمان تنفيذها. * لم يستطع العرب التأثير في موقف الولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، وانحيازها الكامل له، رغم أن مصالح واشنطن الاستراتيجية مع العرب وليست مع إسرائيل. * إخفاق أجهزة الإعلام العربية في توصيل الصورة الحقيقية لما يواجهه الفلسطينيون على أيدي قوات الاحتلال، وفي الوقت نفسه لم تستطع هذه الأجهزة الإعلامية أن تقدم الوجه الحضاري للفلسطينيين وسعيهم لتحقيق السلام العادل والتعايش السلمي، واختزال الوضع بأن يكون الإعلام العربي موجهاً إلى العرب، أي أنهم يتحدثون مع أنفسهم. الحقائق الراهنة تشير بوضوح كاف إلى أن المشروع الصهيوني سائر في طريقه من دون أخطاء مؤثرة، وليس وارداً أن يتراجع أو يتوقف، فضلاً عن نجاحه في التأكيد على عدم وجود شريك فلسطيني موثوق في قدرته على لمّ الشمل الفلسطيني بتياراته المختلفة ليتفاوض مع الحكومة الإسرائيلية، ويرى أن وظيفة السلطة الفلسطينية تتركز في قمع الفلسطينيين والمساعدة في إبادتهم دون أن يضجوا بالشكوى، في ظل ثقة كاملة بأن المجتمع الدولي لا يستطيع الوقوف أمام عمليات الإقصاء والإبادة الجماعية التي تقوم بها الآلة العسكرية الإسرائيلية ولن يخرج رد الفعل عن إطار الشجب والإدانة والتنديد. تركز إسرائيل في المرحلة الراهنة على استراتيجية "الجدار" وهذا يعني تنفيذ هدف مركب هو "الانفصال والحصار والأمر الواقع"، حيث يكون الانفصال للإسرائيليين، والحصار للفلسطينيين، والأمر الواقع للمجتمع الدولي بأسره، وحتى يتحقق الهدف يجب خفض عدد الفلسطينيين والقضاء على إرادتهم في الصمود والكفاح ومن ثم يسهل الحصار ويتحقق الانفصال بسهولة ويسر وفي ظل أمن مطلق. لقد آن الأوان لوقفة عربية-فلسطينية يتم خلالها الاتفاق على خطوط واضحة وأطر محددة لتحرك دولي يضع حداً لما يعانيه الفلسطينيون من جانب، ويضع خطة زمنية واضحة لحل قضايا الصراع من جانب آخر، يكون للحليف الاستراتيجي لإسرائيل دور فاعل فيها، ولا يكتفي بوش الصغير بطرح "خطة الطريق" التي فقدت طريقها قبل أن يبدأ السير فيها!