الأزمة السياسية والعسكرية الراهنة في أفغانستان كانت متوقعة، وكان من الممكن تجنبها. فعلى مدار السنوات الثلاث الماضية دأب الأفغان ورئيسهم حامد كرزاي والخبراء الأجانب على التحذير من إخفاق الولايات المتحدة، والمجتمع الدولي في تقديم الموارد الاقتصادية والعسكرية، والموارد الأخرى الكافية واللازمة لجهود إعادة الإعمار للحكومة الأفغانية الوليدة لأن ذلك سيؤدي إلى تمرد "طالبان"، وإلى حدوث حالة من الإحباط لدى الشعب الأفغاني، وهو ما حدث تماماً. على الرغم من ذلك فإنني أرى أنه لا زالت هناك فرصة للخروج من هذه الأزمة، وذلك إذا ما وحد المجتمع الدولي والأفغان صفوفهما، وتصاعد الهجوم المضاد الذي يشنه البريطانيون والكنديون والأميركيون وتحول إلى حرب شاملة خصوصاً بعد أن ازدادت الهجمات التي يشنها المتمردون ووصلت إلى العشرات يومياً وهو ما أدى إلى فقدان 700 شخص لحياتهم منذ منتصف مايو وحتى الآن. ومعظم الأفغان يشعرون بالغضب الشديد تجاه الولايات المتحدة والغرب لتجاهلهم للملاذ الآمن الذي وفرته باكستان لـ"طالبان"، وقيام إسلام أباد، وكما هو ظاهر بدعم كرزاي و"طالبان" في آن معاً. أما السياسة الخاصة بالتغطية على المشكلات بين أفغانستان وباكستان بالطريقة التي حاولت بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن تفعل ذلك خلال رحلتها الأخيرة إلى المنطقة، فهي سياسة ليست كافية في حد ذاتها كما تشير كافة الظواهر. والتهم والشكوك التي يوجهها كل طرف للآخر بحاجة إلى بحث. فالأفغان العاديون يقولون إن فيروس "طالبان" آخذ في الانتشار، وإن هناك تقارير تم تداولها تشير إلى أن "طالبان" تتواجد الآن في مناطق لا تبعد عن العاصمة "كابول" سوى 25 ميلاً، وإن عناصرها قد شنوا هجمات في غرب وشمال البلاد وفي مناطق تبعد مئات الأميال عن قواعدها في الجنوب. والاضطرابات التي اندلعت في كابول في أواخر مايو الماضي والتي أدت إلى مصرع 20 شخصاً كشفت عن حجم الغضب الذي يشعر به الأفغان تجاه حكومتهم. ففي الوقت الذي انتقد فيه كرزاي الغرب لعدم تقديمه الموارد الكافية لبلاده، فإن الأفغان والأجانب وجهوا بدورهم انتقادات لاذعة للرئيس الأفغاني الذي اتهموه بعدم القدرة على إدارة شؤون البلاد بكفاءة، واتهموه أيضاً بالتقاعس في معاقبة المسؤولين الفاسدين أو المتاجرين بالمخدرات. والحقيقة أن كرزاي لم ينجح في تشكيل فريق إداري فعال: فمجلس الوزراء يعاني من خلل وظيفي، كما أن اعتماده الآخذ في التزايد على أمراء الحرب السابقين الذين لم يتم نزع سلاح مليشياتهم سوى في الآونة الأخيرة، ينظر إليه من قبل كثيرين على أنه "خيانة لأجندة الإصلاح التي تم وضعها في اتفاقية بون عام 2001." وكرزاي على حق عندما يقول إن أفغانستان قد تلقت مساعدات اقتصادية أقل مما تلقته أي منطقة من مناطق الصراع أو أي مشروع حديث لبناء الأمم سواء في يوغسلافيا السابقة أو تيمور الشرقية. علاوة على ذلك نجد أن المشروع الخاص ببناء جهاز أمني يديره الأفغان يمضي بخطى بطيئة للغاية. فوفقاً للمسؤولين الأميركيين، فإن برنامج تدريب قوات الشرطة الذي ترعاه الولايات المتحدة متأخر ثلاث سنوات عن جدوله الزمني، على الرغم من أن واشنطن ستقدم 1,2 مليار دولار لتزويد 60 ألف جندي شرطة في مختلف مناطق تلك الدولة بالمعدات اللازمة. والتعهد الأميركي ببناء جيش أفغاني واجه وضعاً محرجاً، بسبب القرار غير المسؤول الذي اتخذه وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بإنشاء جيش أفغاني يكون أصغر مما كان مخططاً في الأصل، ويمتلك أسلحة أقل ويعمل تحت إشراف الحكومة الأفغانية التي تعاني من العسر المالي، وذلك بدلاً من قيام الأميركيين بدفع رواتب مثل هذا الجيش (يا له من حافز للروح المعنوية بالنسبة لمجندي الجيش الأفغاني الذين يواجهون تمرداً كاملاً بمعنى الكلمة). ولكن إنقاذ أفغانستان من نفسها هو مسؤولية العالم كله وليس الولايات المتحدة فقط. فالأوروبيون والأميركيون يختلفون حول الأولويات العسكرية والاقتصادية، كما يختلفون بشأن النصيحة التي يجب تقديمها لكرزاي. وفي الوقت الراهن الذي يحل فيه "الناتو" بوحداته الأوروبية الكبيرة محل القوات الأميركية في الجنوب والشرق، فإن الولايات المتحدة يجب أن تتعلم كيف تتقاسم المسؤوليات الخاصة باتخاذ القرارات في أفغانستان مع "الناتو"، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، بدلاً من أن تقوم بعقد صفقاتها السرية في كابول. أما الأمم المتحدة فإن أمامها تلك المهمة المحتمة والخاصة بالوفاء بالتفويض السياسي الذي تم تقريره في بون وسيساعدها في ذلك أن أفغانستان قد أصبح اليوم لديها رئيس منتخب وبرلمان ومجالس ولايات ودستور. ومجلس الأمن بحاجة اليوم إلى تفويض موظفي الأمم المتحدة في كابول بمسؤولية تنسيق عملية الاستجابة الدولية للأزمة، ورسم الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية مع الحكومة الأفغانية. وكرزاي تطرق إلى بعض من هذه الموضوعات في اجتماع أخير عقده مع الفاعلين الرئيسيين وهم الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، و"الناتو"، وبريطانيا وكندا.. وهو أيضاً مصمم على تحقيق درجة أكبر من التنسيق بين حكومته وبين المجتمع الأوروبي، من أجل التوصل إلى استراتيجية مشتركة تهتم بمواجهة التمرد من جهة وبالكيفية التي يمكن بها تسريع عملية إعادة الإعمار من جهة أخرى. وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة عام 2001، فإن الحقيقة هي أن الأفغان قدموا للمجتمع الدولي وموظفي الإغاثة والجنود نافذة واسعة من الفرص لإصلاح الضرر الذي لحق بالبلاد على مدى 25 عاماً. وهذه النافذة التي ظلت مشرعة على مدار الخمسة أعوام الماضية مهددة الآن بالإغلاق، ما لم يستيقظ المجتمع الدولي من غفوته، وينهض للتعامل مع الأزمة المحتدمة في أفغانستان. أحمد رشيد محلل سياسي باكستاني ومؤلف كتاب (طالبان و"الجهاد": صعود الحركات الإسلامية المسلحة في آسيا الوسطى). ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"