درج الباحثون الغربيون على المساواة بين روسيا من جهة والاتحاد السوفييتي من جهة أخرى باعتبارهما كياناً واحداً لا اختلاف فيه، حيث غالباً ما تتم الإحالة إلى الإمبراطورية السوفيتية على أنها روسيا، أو إلى روسيا على أنها الاتحاد السوفييتي نفسه. والواقع أن روسيا لم تكن سوى واحدة من الجمهوريات الخمس عشرة المكونة للاتحاد السوفييتي السابق. ومع ذلك لم يكن يخامر المواطنين من غير الروس في الاتحاد السوفييتي السابق أدنى شك في أن روسيا هي قائدة كيانهم الشاسع والمهيمنة عليه بدون منازع. والحال أن الوضعية المميزة لروسيا في قلب الاتحاد السوفييتي والمكانة القومية التي حظيت بها، لدورها الفاعل في دفع قاطرته إلى الأمام خلال مرحلة التنافس الشرس والمحموم مع المنظومة الغربية، لم تمنع من تهميش الروس ونسف هويتهم القومية لتتناسب مع احتياجات الدولة الجديدة والنظام الشيوعي القائم. هذه التجربة التاريخية التي خاضها الشعب الروسي من داخل الاتحاد السوفييتي وتأثيرها الكبير في صياغة هويته القومية، فضلاً عن ظلالها التي مازالت ماثلة إلى اليوم هي ما يحاول المؤرخ البريطاني والمتخصص في التاريخ الروسي جيفري هوسكينج الكشف عنه بدقة عالية ومقدرة فذة في كتابه "حكام وضحايا: الروس في الاتحاد السوفييتي". ففي إحدى الصفحات يكتب المؤلف ملخصاً نظرته للتجربة الروسية على امتداد سنوات القرن العشرين المديدة تحت الحكم السوفييتي قائلاً "كان الروس حملة الدولة الروسية، لكنهم تحولوا أيضاً إلى شخصيات منزوعة الهوية ضمن كيانه. لقد كانت جمهوريتهم عملاقاً نائماً يخشى القادة استيقاظه وتدميره للاتحاد السوفييتي". لقد قاوم الشيوعيون فكرة القومية باعتبارها واحدة من أكثر الأفكار تهديداً للرؤية البلشفية التي تبشر بثورة عالمية تضم جميع البروليتاريا في العالم. ولأنها تخيف القادة الشيوعيين وتدفعهم إلى محاربتها بشتى الوسائل والسبل، شكلت القومية الروسية على الدوام مصدر خطر حقيقي يتهدد الفكرة الشيوعية بسبب قوة روسيا في الكيان السوفييتي. فقد كانت نسبة الأراضي الروسية من مجموع الاتحاد السوفييتي سنة 1922 حوالى 90%، كما شكل الروس 72% من إجمالي السكان، ما أهل جمهوريتهم لتكون المركز الإداري الأول في الاتحاد السوفييتي. والمفارقة أن القادة الشيوعيين بسعيهم إلى حجب القومية الروسية التي وصفها لينين ذات مرة ساخراً بـ"الشوفينية الروسية العظيمة"، أججوا المشاعر القومية للإثنيات الأخرى في الاتحاد السوفييتي لمواجهة القومية الروسية وتحجيم خطرها. فقد شجع البلاشفة الجمهوريات غير الروسية على إدارة شؤونها وأرسلوا العلماء لتوثيق عادات وتقاليد العرقيات الأخرى في الاتحاد السوفييتي وضمان استمرارها على قيد الحياة. غير أن الكاتب الذي سعى إلى كشف التأثير السوفييتي على القومية الروسية ومدى اصطباغ هذه الأخيرة بالأفكار الجديدة التي طرحتها الشيوعية، يحاول أيضاً نفض الغبار عن القوى الكامنة في الشخصية الروسية التي صاغها التاريخ قبل مجيء الشيوعية. فالمؤلف يشير على سبيل المثال إلى الطبيعة التبشيرية للشعب الروسي المستمدة من الأورثوذكسية المسيحية التي يدين بها الروس وتكرس لديهم الاعتقاد بأنهم شعب مختار خصه الله برسالة نشر المسيحية، وأنهم بمثابة "روما الثالثة" التي ستبعث من رمادها مجدداً. وهي الفكرة التي بنى عليها الشيوعيون لدفع روسيا إلى حمل مشعل الأفكار الثورية وتزعمها ليس فقط في محيطها الإقليمي، بل لتبشر بالثورة العمالية في جميع أصقاع المعمور. وهكذا نجح القادة الشيوعيون خلال المراحل الأولى لثورتهم في تدجين الهوية الروسية وإفراغها من حمولتها الناسفة للمشروع اللينيني- الماركسي لتدعم فكرة الدولة المتعالية على القوميات والعرقيات وتقبل طواعية الدخول تحت عباءة الاتحاد السوفييتي. ويوثق المؤلف أيضاً كيف استعانت الدولة السوفييتية بالهوية الروسية، خاصة خلال عقد الثلاثينيات عندما أعلن ستالين أن روسيا هي مركز الوطنية السوفييتية، أو كما عبَّر عن ذلك "الأولى في صفوف المتساوين" محيلاً إلى دورها المحوري في الدفاع عن روسيا خلال الحرب العالمية الثانية. غير أن القومية الروسية التي وظفت للدفاع عن الكيان السوفييتي سرعان ما تم قمعها مجدداً بعد انتهاء الحرب ليبقى الحيف جاثماً على صدور الروس لفترة طويلة. ويوضح المؤلف كيف استغل ستالين الشخصية الروسية وأثنى على دورها الحيوي في دحر الفاشية، لكنه استعملها لتعزيز الكيان الكبير ذاته الذي يسعى إلى اختزال الهوية الروسية في الدفاع عن حياض الاتحاد السوفييتي ورفده بالقوة اللازمة للبقاء والاستمرار. وهكذا يخلص الكاتب إلى أن تشكيل الهوية الروسية على امتداد سنوات الاتحاد السوفييتي كان يخطط له من أعلى هرم السلطة دون أن يكون للروس دور فاعل في صياغة هويتهم. بيد أن العجز الروسي عن الخروج من ربقة الهيمنة السوفييتية بسبب طبيعة النظام، بدأ يتبدد مع سقوط المعسكر الشيوعي وانتهاء الحرب الباردة، حيث عرفت الهوية الروسية انبعاثاً جديداً خلال التسعينيات سبقته محاولات للتعرف على الذات والتقاليد خلال فترة جورباتشوف عبر السياسة الإصلاحية التي انتهجها. وهنا لعب الكتاب والأدباء الروس دوراً رائداً في عملية إحياء الهوية الروسية ونفض الغبار عنها من خلال إعادة اكتشاف الأدب الشعبي والرجوع إلى الريف لاستلهام ملامح الشخصية الروسية المختلفة عن باقي القوميات. زهير الكساب الكتاب: حكام وضحايا: الروس في الاتحاد السوفييتي المؤلف: جيفري هوسكينج الناشر: ذي بيلكناب بريس تاريخ النشر: 2006