ودعنا العام الثالث من الألفية الثالثة الميلادية بكل ما جاء فيه من أخطار وكوارث أما الآلام فستظل بعض آثارها ومخلفاتها تصحبنا في عامنا هذا الذي حل علينا فجره هذا الصباح·
كان العام الذي انقضى أجله بالأمس عاما تفجرت فيه أحداث جسام تجرع مرارتها كثير من شعوب الأمة ومن لم تمسه منها مساً مباشراً هذه الأحداث الجسام فإن آثارها الجانبية قد تركت وخلفت أثرا لا يمكن إنكاره على مجمل حياة الناس· ومن بداهة القول إن أي جرح أصاب جزءاً من جسد هذه الأمة فهو عاجلاً أو آجلاً سيصيب بقية أعضاء الجسد بالحمى·
ونستقبل هذا العام الجديد وليس هنالك ما يدعو الى كثير من التفاؤل بأنه سيكون أفضل حالاً من عامنا الذي انقضى· لكن - ومع ذلك - فلأنه من طبيعة البشر أن يعيشوا على أمل في أن يكون غدهم أفضل من أمسهم فإنهم يتشبثون بأي بارقة أمل تلوح لهم مهما كانت ضئيلة وصغيرة·
كان المأمول وقبل نهاية عام 2003 أن يتم الاتفاق بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية وأن يوقع الطرفان بالأحرف الأولى على اتفاق يعلن نهاية الحرب الأهلية التي طال أمدها وتعاظمت ويلاتها وأصبح الأمل في أن تضع أوزارها مطلباً أجمع عليه عامة الناس في السودان، وربما لهذا السبب فإن أناساً قد تمسكوا وتشبثوا بما قيل لهم بأن الاتفاق - الأمل - الحلم المرجو سيتم قبل نهاية العام·
ويدرك السودانيون أن اتفاق السلام المرتقب عندما يتم التوصل إليه وتوقيعه بين الحكومة والحركة لا يعني نهاية الدراما السودانية، ولكن مجرد خطوة - وخطوة مهمة ومطلوبة - على طريق شاق وصعب عليهم أن يسيروا فيه بالحكمة والإدراك الواعي لتجاوز العقبات والمزالق والأشواك التي تحف بطريق السلام· فالحرب - وهي قمة المأساة السودانية ليست سبب الأزمة السودانية ولكن الحرب هي نتيجة للأزمة السودانية بكل مكوناتها التاريخية والاجتماعية العميقة الجذور والتي طال تجاهلها لعقود من الزمان ضاعت هباء منثورا من عمر السودان وعلى حساب استقراره وتنميته ورفاهية أهله· نعم الحرب خلقت الكثير من المآسي وخلخلت بنيان المجتمع السوداني، لكن الحرب الأهلية في حد ذاتها هي افراز متعاظم البؤس للمأساة السودانية التي لم يعد من الممكن التعامي عنها وانكارها لأنها واقع ممسك بتلابيب الجميع· ولم يعد من الممكن الحديث عن المأساة باعتبارها شأناً داخلياً لأنها بالفعل لم تعد كذلك، بل أصبحت - شئنا أم أبينا - شأنا تتداعى له الدول والأمم· ومع ذلك فبقدر ما يتمكن القادة السودانيون من توحيد صفوفهم والاتفاق على كلمة سواء بينهم فان الأثر الخارجي سيقل تأثيره ويصغر حجمه·
والأمل اليوم أن يحمل هذا العام الجديد للسودان بشائر السلام· سلام يقوم على العدل وعلى رد المظالم وعلى الثقة المتبادلة وعلى النظر الى المستقبل ومصاعبه البينة والخفية بروح المسؤولية الوطنية والتفاني ونكران الذات من أجل السودان وشعب السودان·