لعل الموضوع الأكثر إثارة للجدل في الدوائر والأوساط الأميركية هذين اليومين, هو نشر الديمقراطية في العالم العربي. وقد دخل إلى حلبة الحوار هذه محللون وساسة وأيديولوجيون جادون, بينما انضم إلى الحلبة ذاتها كل من هب ودب. وإن كان ثمة أمر واحد على صلة بالسياسات الأميركية, مما يتوحد حوله أنصار إدارة بوش ومنتقدوها على حد سواء, فهو هذا الموضوع بالذات. ولكن كم هي خاطئة وعرجاء رؤى كل من الطرفين للأمر! وفي حين لا يزال هدف تعزيز احترام حقوق الإنسان وتوسيع المشاركة الشعبية في الحكم, هدفاً إيجابياً يجدر تبنيه, إلا أن ثمة أخطاء جوهرية لا تزال تحيط بالفرضيات والنوايا التي ينطوي عليها هذا الحوار الأميركي العام المحتدم عن نشر الديمقراطية في العالم العربي. أولاً وقبل كل شيء, هناك الافتراض الثابت والمستمر أن في وسع أميركا نفسها أن تكون طرفاً مساعداً ومسهماً في إحداث التحول السياسي الديمقراطي في العالم العربي. يتبع هذا الافتراض اعتقاد فج آخر بأن شعوب المنطقة تتطلع إلى واشنطن وتنظر إليها على أنها حصان الحريات الرابح. والواقع أن في هذا إسقاطاً ساذجاً من فترة الحرب الباردة التي تطلعت فيها شعوب أوروبا الشرقية إلى الولايات المتحدة بهذا الفهم, ورأت فيها مخلصاً لها من نير الهيمنة السوفييتية وقتئذ. غير أن الحقيقة التي لا مراء فيها –للأسف- أن عكس هذا الافتراض تماماً هو ما يميز شعوب المنطقة العربية اليوم. ذلك أن استطلاعات "مؤسسة زغبي العالمية" للرأي العام العربي, أشارت مؤخراً إلى أنه لا يزال هناك بعض تأييد للقيم الأميركية, على رغم الانحسار الواضح في معدلات هذا التأييد خلال السنوات الأخيرة الماضية. إلا أن العنصر الأكثر وضوحاً وطغياناً على الرأي العام العربي, هو قوة الموقف السلبي المعارض لأميركا. وهذا هو ما يضع واشنطن ومن حذا حذوها في موضع مزعزع وحرج في كثير من الأحيان. وللحقيقة, فعندما طرحنا سؤالاً مباشراً على الذين استطلعت آراؤهم على النحو التالي: إلى أي مدى تؤمل في دعم أميركا للديمقراطية في وطنك؟ جاءت الاستجابة في غاية السلبية. وبالنتيجة, فإنه ربما يكلف الولايات المتحدة ثمناً باهظاً في بعض الأحيان, افتراضها الاعتباطي بـ"اعتدال" الرأي العام العربي. ومن تجليات ذلك ونتائجه الواضحة جداً, ما تكبدته أميركا من خسارة فادحة بدعمها السري لحركة "فتح", في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة. فما أن تكشف للناخبين الفلسطينيين خلال الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية أن واشنطن مولت سراً حركة "فتح", بقصد مساعدتها على إحراز نصر انتخابي على منافستها حركة "حماس", حتى انقلب الرأي العام الفلسطيني على "فتح", بينما استغلت "حماس" ذلك الانقلاب لتحقق فوزاً ساحقاً عليها. ثم هناك افتراض أميركي اعتباطي آخر لا أساس له من الصحة, يذهب إلى القول إن مشاعر العداء لأميركا, إنما هي صنيعة تختلقها الأنظمة الأوتوقراطية الحاكمة, بهدف صرف أنظار شعوبها عن استبدادها وشموليتها لا أكثر. وتأسيساً على الفرضية الخاطئة نفسها, يذهب البعض هنا في واشنطن إلى الخطأ في تفسير ظاهرة التطرف الديني في الشرق الأوسط, بردهم إياها إلى غياب الديمقراطية والحريات في بلدانهم, متناسين في ذلك حقيقة أن أكثر الضربات الموجعة التي توجهها هذه الجماعات لأنظمة بلدانها, إنما منشؤها الدعم الذي تقدمه واشنطن لتلك الأنظمة. وعليه فإن مثل هذا النهج المعطوب من التفكير في الدوائر الأميركية, هو الذي أسفر عن اعتذار بوش مؤخراً عن مضي 60 عاماً من توهان سياسات بلاده إزاء منطقة الشرق الأوسط. والشاهد أن السياسات الأميركية الشرق أوسطية –وليست شمولية الأنظمة العربية- هي الوقود المحرك والدافع لظاهرة التطرف الديني في المنطقة. كما يصح القول أيضاً إن دعم بعض أنظمة هذه الدول لأميركا هو ما يؤجج نار التطرف الديني, ويضع تلك الأنظمة على المحك مع الجماعات المتطرفة في كثير من الأحيان. ولك أن تتأمل في هذا هجمات تنظيم "القاعدة" على كل من المملكة العربية السعودية ومصر والأردن. وبعد أليس في كل هذا ما يدعو أميركا إلى تصحيح سياساتها الشرق أوسطية؟