كشف رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يوم الأحد عن مخطط طموح ومدعوم من قبل الولايات المتحدة يروم توحيد الفصائل العرقية المختلفة، ويترك إمكانية احتواء بعض المتمردين مفتوحة. ويشمل المخطط، الذي يتألف من 28 نقطة وعُرض على البرلمان، العفو "بالنسبة لأولئك الذين لم يثبت تورطهم في جرائم وأنشطة إرهابية وجرائم حرب ضد الإنسانية"، وهي لغة قابلة للتأويل وضعت عن قصد وجرت مناقشتها ضمن جلسات محتدمة ومغلقة شارك فيها عراقيون وأميركيون. وقال المالكي، متحدثاً إلى أعضاء البرلمان الذين اجتمعوا في مركز المؤتمرات بالمنطقة الخضراء، إن المخطط "لا يعني تكريم وقبول القتلة والمجرمين"، وإنما يدعو إلى إطلاق سراح الآلاف ممن يشتبه في صلتهم بالتمرد، والذين "يلتزمون بنبذ العنف ويتعهدون بدعم" الحكومة. كما يقضي المخطط بإنهاء القوانين التي تقصي بعض الأعضاء السابقين في حزب البعث من الحياة السياسية شريطة ألا يكونوا قد ارتكبوا جرائم. وقال المالكي، الذي تسلم مهام رئاسة الوزراء قبل نحو شهر وسط آمال عريضة في أوساط مواطنيه الذين سئموا الحرب: "إلى أولئك الذين يرغبون في البناء والإصلاح، نمد أياديَ تحمل أغصان الزيتون". وقد جاء تقديم المخطط في يوم أودت فيه أعمال العنف بحياة 23 شخصاً على الأقل في العراق، فيما أظهر شريط فيديو إعدام رهينتين روسيين اختطفا هذا الشهر، إضافة إلى صور جثة ثالثة. ولم يستبعد السفير الأميركي في العراق زلماي خليل زاد، خلال حديثه مع الصحافيين بعد جلسة البرلمان، إمكانية العفو عن المتمردين الذين كانوا ينتمون إلى مجموعات حملت السلاح ضد القوات الأميركية، مضيفاً أن "أولئك الذين لا يمكن التصالح معهم" –أي المتمردين الذين يعارضون الدولة العراقية إما عبر القتال من أجل عودة حزب البعث أو تبني رؤية تنظيم "القاعدة" لخلافة إسلامية- هم فقط الذين لن يشملهم مخطط العفو. وقال المسؤول الأميركي "لكل الحروب نهاية، ولذلك يجب استبدال العداء بالمصالحة. وعلى الجميع اتخاذ قرارات صعبة"، مضيفاً "أنا متفائل، وأعتقد أننا سنتوصل إلى تفاهم حول هذا الموضوع، مع ضرورة احترام شروط العدالة". وقد أعرب البيت الأبيض عن ترحيبه بالمبادرة، ولكنه لم يعلق على مقترح العفو. غير أن رد فعل بعض المشرعين الأميركيين، سواء من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، كان قوياً وشديداً. وفي هذا السياق، قال سيناتور ميتشيغان كارل ليفين، عضو لجنة القوات المسلحة "الديمقراطي"، لبرنامج "فوكس نيوز صانداي": "إن فكرة الحديث حول عفو بالنسبة لأشخاص قتلوا أشخاصاً حرروا بلادهم فكرة غير معقولة". ومن جانبه، قال السيناتور "الجمهوري" ريتشارد جي. لوغار من إينديانا لبرنامج "واجه الأمة" لقناة "سي بي إس" إن أي مقترح عفو "سيصطدم بمعارضة قوية" في مجلس الشيوخ، الذي يترأس به لوغار "لجنة العلاقات الخارجية". يُذكر أن الأطياف السياسية العراقية وافقت على تعيين نوري المالكي رئيساً للوزراء قبل خمسة أسابيع، وذلك عقب أزمة سياسية حول تشكيل حكومة للبلاد دامت عدة أشهر. ويعد مخططه، الذي تم وضعه بتنسيق وثيق مع الزعماء السياسيين والعسكريين الأميركيين، من بين أهم المحاولات التي بذلها أي زعيم عراقي لمعالجة الانقسامات الدينية والسياسية الآخذة في الاتساع، والتي طفت على السطح عقب الغزو الأميركي في 2003. إلى ذلك، يتساءل العديد من المحللين والسياسيين العراقيين بشأن حظوظ نجاح المخطط في القضاء على التمرد. ومن أهم ما يرمي إليه هذا المخطط، الذي كُشف عن تفاصيله لأول مرة في عدد السابع عشر من يونيو من صحيفة "المدى" العراقية، تبديد أجواء انعدام الثقة بين السُّنة والحكومة. كما يقضي بتشكيل لجان وطنية وإقليمية بهدف مناقشة حالات العفو، وإجراءات تفكيك المليشيات، وتفادي خروقات القوات الأميركية، ومراجعة القوانين التي تحرم أعضاء سابقين في حزب البعث من الحياة العامة. غير أن المخطط أثار شكوكاً في أوساط الأقلية السُّنية بالبلاد، حيث يرى العديد منها أن المخطط لم يذهب بعيداً في الاستجابة لمطالبها، ولاسيما ما يتعلق منها بوضع جدول زمني واضح لرحيل القوات الأميركية، التي ما زال العديدون يصفونها بالقوة المحتلة. وفي هذا الإطار، قال الشيخ علي حاتم سليمان، وهو أحد شيوخ قبيلة أبو عساف في إقليم الأنبار الذي شهد حركة تمرد كبيرة: "ماذا تريدني أن أقول للشرفاء؟ ألا يكرهوا الاحتلال؟ لا أستطيع، أنا آسف". ومن جهته، يقول وميض نظمي، الخبير في العلوم السياسية ببغداد والمتعاطف مع قضية السُّنة، لقد أضعف المقترح نفسه حينما لم يخفف لهجته عند الحديث عن انسحاب القوات الأميركية. ويرى بعض المنتقدين العراقيين أن المخطط فشل في تناول طبيعة العنف، الذي انتقل –حسب قولهم- من محاربة الاحتلال الأميركي إلى حرب طائفية بين المتطرفين السُّنة المدعومين من قبل العرب والمليشيات الشيعية المدعومة من قبل إيران. وفي هذا السياق، قال الشيخ علي عبدالله، زعيم حمد جاسم، وهم فرع من قبيلة الدليم في الأنبار: "لقد اختلطت الأمور. لقد منحنا المالكي فرصة حقيقية، ولكننا واثقون من أن هذه الحكومة ستفشل". غير أن بعض السياسيين الشيعة وصفوا المقترح بالخطوة الأولى التي ترمي إلى إطلاق حوار بين الفصائل العراقية المختلفة، وليس إرضاء السُّنة أو أولئك الذين لهم علاقة بالمتمردين فقط. وفي هذا السياق، قال عباس البياتي، عضو البرلمان العراقي والعضو في ائتلاف المالكي: "إننا لا نرفع المخطط إلى السُّنة فقط، وإنما إلى جميع العراقيين. صحيح أنه لا يستطيع حل جميع المشاكل دفعة واحدة، ولكنه يتناول بعضها على الأقل". بورزو دراغاهي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "لوس أنجلوس تايمز" في بغداد ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست