كان الإعلان الذي تبناه البرلمان النيبالي في الثامن عشر من مايو، والذي ينهي اعتبار البلاد الدولة الهندوسية الوحيدة في العالم، واحداً من القرارات الصعبة التي اتخذتها الحكومة الجديدة بهدف استمالة المتمردين الماويين ومحاولة إقناعهم بالانضمام إلى العملية السياسية. غير أن الخطوة ولدت صراعاً جديداً، لم يكن في الحسبان، مع الأغلبية الهندوسية في البلاد. ففي رد فعلها، وصفت المنظمات الهندوسية في النيبال –التي تتلقى دعماً قوياً من المنظمات الهندوسية الأصولية القوية في الجارة الهند- الإعلان، الذي ينص على علمانية النيبال، بـ"المسيء" و"الخطير"، معتبرة أن من شأنه أن يثير "حملة دينية" في هذا البلد الصغير الواقع بجبال الهملايا. وإثر الإعلان، نظمت المنظمات الهندوسية مسيرات حاشدة بأربعة أحياء على الأقل هنا بالعاصمة النيبالية كاتماندو، فيما شلت الحركة بمدينة بيرغونج الصناعية الواقعة إلى الجنوب والتي خاضت إضراباً استمر يومين الأسبوع الماضي. وخرج رجال الدين الهندوس بثيابهم البرتقالية إلى شوارع العاصمة ومدن أخرى مطالبين بإلغاء الإعلان. كما حذر بعض الزعماء الهندوس من أن المظاهرات الاحتجاجية التي نظمت ليست سوى بداية ما قد يصبح حملة تشمل جميع أنحاء البلاد، التي يعتبر 80 في المئة من سكانها من الهندوس. ويقول ديواكار شاند، أمين عام الفيدرالية الهندوسية العالمية، وهي منظمة مسجلة لدى الأمم المتحدة تمثل المنظمات الهندوسية عبر العالم "كيف لبرلمان يتكون من 250 عضواً أن يقرر بشأن موضوع بهذه الأهمية؟ إن استفتاء حول الموضوع هو الحل الأمثل للمسألة". وقد لا يكون ثمة مثال أفضل وأبلغ تعبيراً عن الأهمية التي تعلقها المنظمات الهندوسية عبر العالم –وخاصة في الهند- على النيبال من حقيقة أن "الفيدرالية الهندوسية العالمية" درجت على أن يرأسها شخص يحظى بتزكية النيبال، حيث يحظى ملوك البلاد بالقداسة على اعتبار أنهم يجسدون "فيشنو" –وهو من بين الآلهة الأكثر تقديساً لدى الهندوس-. أما رئيس الفيدرالية الحالي، فهو "بهارات كيشاري سينغ" الذي يعد أحد كبار مساعدي الملك "غيانيندرا". ومن جانبه، قال "رانجات سينغ"، رئيس حزب "بهارتيا جناتا" الهندوسي في الهند لوفد نيبالي في الهند الأسبوع الماضي إنه ينبغي على النيبال أن تظل دولة هندوسية، واستطرد قائلاً: "إن حزب بهارتيا جناتا لن يرضى بوضع تفقد فيه النيبال هويتها الأصلية وترضخ فيه لضغوط الماويين"، وذلك حسب تقرير نشرته صحيفة "ذا إيندو" الهندية. ولعل أكثر ما يثير قلق المنظمات الهندوسية هو ما إن كانت قدسية الأبقار ستراعى في نيبال علمانية. ذلك أن ذبح الأبقار غير قانوني حيث يقدس الهندوس الأبقار ويعبدونها باعتبارها تجسيداً لـ"لاكسمي"، آلهة الثروة وزوجة "فيشنو" حسب معتقدات الهندوس. كما أن البقرة تعد الحيوان الوطني بالنسبة للنيبال. ويرى "هاري باكتا نوبان"، رئيس "سانتان دهارما سيوا ساماتي" التي تعد أقدم منظمة هندوسية في النيبال، أنه في حال بدأ الناس في ذبح الأبقار في نيبال علمانية، فلا مناص حينها من أعمال العنف الطائفي إذ يقول "فلنتخيل يوماً يذبح فيه الناس الأبقار أمام معابد كاتماندو. حينها سيكون الهندوس مستعدين للتضحية بأنفسهم لوقف ذلك". وإذا كانت للهندوس تحفظات قوية حول الموضوع، فإن المنظمات البوذية التي تمثل 12 في المئة من السكان في النيبال، إضافة إلى المسلمين والمسيحيين وأقليات أخرى، أعربت عن ترحيبها بالإعلان. غير أن أكثر جهة رحبت بالإعلان ربما تكون الأقليات العرقية. وفي هذا السياق، يقول "كريشنا باتشان"، عالم الأنثروبولوجيا الذي يتزعم حركة للأقليات العرقية في النيبال: "تعد الهندوسية أصل التمييز العرقي في النيبال خلال الـ238 سنة من الحكم الملكي"، مضيفاً "إن ديناً واحداً للدولة يعني طغيان ثقافة واحدة وطبقة اجتماعية واحدة ولغة واحدة". وحسب "المكتب المركزي للإحصاءات" التابع للحكومة النيبالية، توجد بالبلاد أكثر من 103 طبقات وأعراق، و92 لغة على الأقل، وأكثر من 10 أديان مختلفة. وقد جرت العادة أن يقتسم الأشخاص الذين ينتمون إلى الطبقتين الأوليين في التراتبية الهندوسية -البراهمة وشيتريا- السلطة مع الملك. وحتى حينما عاشت النيبال تجربة ديمقراطية محدودة لاثنتي عشرة سنة بعد 1990، كان معظم رؤساء الوزراء من البراهمة، فيما سيطرت على البرلمان والإدارة أغلبيةٌ من البراهمة و"شيتريا". وتنتمي الأغلبية الساحقة من المتمردين الماويين، الذين خاضوا حرباً عنيفة ضد الحكومة خلال السنوات العشر الماضية، إلى أقليات عرقية تكاد لا تحظى بأي تمثيل في هيئات صنع القرار بالبلاد. ويقول "راجو جي بانت"، عضو البرلمان وأحد قادة الحزب الشيوعي الذي يعد أكبر حزب في تحالف يضم سبعة أحزاب ديمقراطية: لقد منح الإعلان الأقليات شعوراً بالانتماء إلى الدولة. كما وضع حداً للهيمنة الهندوسية التي أضفت الشرعية على حكم الأشخاص الذين يجسدون "فيشنو" في البلاد. وإذا كان بعض المراقبين يحذرون من أن الأحزاب الديمقراطية قد تفقد أصواتها لصالح أحزاب جديدة يمكنها أن تتقدم بأجندات هندوسية أصولية خلال الانتخابات المقبلة، فإن "بانت" يشدد على أن الأحزاب لا تستعدي السكان الهندوس في البلاد، قائلا "لم يسبق للشعب النيبالي أبدا أن صوت على أساس معتقداته الدينية، ذلك أن المعتقدات السياسية تحظى بالأولوية عندما يتعلق الأمر بالانتخابات". بيكاش سانغرولا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور في" كاتماندو ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"