إيران مُصرة على الاستمرار في برنامجها النووي وغير عابئة بالتهديدات الأميركية، وفي نفس الوقت تعمل واشنطن على اغتنام الفرصة المناسبة لتدمير المنشآت النووية، ومن المؤكد أن التسلح النووي الإيراني يمثل تهديداً للمصالح الغربية. باكستان تمتلك أسلحة نووية والحال نفسه بالنسبة للهند وكوريا الشمالية وإسرائيل ومن ثم ترى إيران أنها لا تقل شأناً عن هذه الدول وأن من حقها أن تبني ترسانتها النووية. المنطق الإيراني لا بأس به خصوصاً عندما يغض الطرف عن إسرائيل على سبيل المثال، إلا أن أميركا ترى أن إيران دولة إسلامية وداعمة لـ"حزب الله" و"حماس" وهذان وفق التصنيف الأميركي تنظيمان إرهابيان، وبالتالي هناك خطر في امتلاك إيران لأسلحة نووية. يبدو أن إيران تريد أن تحقق ضمانات لحقوقها كدولة من الثقل الكبير يجب استشارتها في الشأن الإقليمي للترتيبات الأمنية في الخليج، وأن يتم التعامل معها وفق هذه المعادلة مقابل أن تقدم ضمانات للمصالح الغربية وخصوصاً أن طهران تعاملت مع أطراف التحالف في حرب الخليج عام 1991 ولديها قنواتها الخاصة في الاتصال مع الغرب، وهي دولة تسعى للاعتراف بثقلها السياسي والاقتصادي وتتمتع بدرجة عالية من البراجماتية في إدارة مصالحها، مما يمكّنها من تسوية موضوع الخلاف بطرق دبلوماسية. الحالة الإيرانية مازالت غامضة خصوصاً فيما يخص العلاقة مع دول الجوار الخليجية التي مازالت تشعر بقلق من التسلح النووي الإيراني بعد غياب العراق كدولة مهمة في الترتيب الأمني للمنطقة. أحد أهم المآخذ على إيران استمرارها في دعم حالة الفوضى في العراق وعدم تمكين العراق من تجاوز وضعه الحالي، حيث إن في إضعافه قوة للهيمنة الإيرانية. كما أن ماضيها منذ قيام الثورة الخمينية مازال في أذهان دول الخليج العربية. إضافة إلى أن إيران تحاول أن تحتوي الشيعة في العالم الإسلامي وأن تطرح نفسها كدولة إسلامية منافسة للسعودية وبالتالي فهي تسعى لاستقطاب الشيعة ودفعهم لتبني الموقف الإيراني حتى وإن كان على حساب مصالحهم الوطنية. طبعاً إيران تتجاهل بعض الحقائق التاريخية بالنسبة للشيعة العرب، كونهم لا يتلاقون مع ما ترفعه إيران من شعارات طائفية. إيران تبعث بتطمينات لدول الجوار العربية إلا أنها على أرض الواقع تجعل هذه الدول في حالة قلق دائم من التسلح النووي الإيراني وبالتالي لا تجد دول الخليج العربية سوى طريق عقد الاتفاقيات الأمنية مع الدول الغربية لضمان عدم تهديدها. التسلح الإيراني المبالغ فيه غير مبرر، خصوصاً أن إيران عليها ديون ضخمة كما أنها تعاني من عدم استقرار اجتماعي واقتصادي حيث البطالة آخذة في التزايد وبرامج الإصلاح التي وعدت بها الثورة مازالت بعيدة المنال ومن ثم جاء صرفها على التسليح النووي ليغطي حالة الفشل الداخلية ومحاولة لإشغال العامة من الناس بقضايا خارجية تزيد من التلاحم الوطني الداخلي. الموقف الإيراني يتأثر بمجمل أوضاع الشرق الأوسط وخصوصاً موضوع السلام العربي- الإسرائيلي الذي لو تم تحقيقه لأدى إلى إضعاف النهج الثوري في المنطقة، كما أن مستقبل الأوضاع السورية له تأثيره على وضع إيران, وفي حالة ترتيب البيت السوري لصالح عملية السلام من المؤكد أن ذلك سيساهم في إضعاف إيران. دول الخليج العربية لا تملك رؤية متفقاً عليها، وهي بالرغم من تقاربها المعلن إلا أن ذلك التقارب يخفي خلافات استراتيجية حيال كثير من القضايا الحيوية التي تهم المنطقة. دول الخليج العربية تملك من الإمكانات ما يجعلها في موقع تفاوضي أقوى، إلا أن خلافاتها تطغى على الموقف العام، مما يمكّن إيران من الاستمرار في فرض هيمنتها الإقليمية ويعرض الإقليم الخليجي إلى هزات عنيفة ويزيد من التدخلات العالمية التي بدورها تعمل على تقوية الراديكالية الدينية المقلقة لاستقرار المنطقة.